رجوع

في هذه الليلة

0%

Chapter 1 · الغرفة القلقة

في هذه الليلة Chapter 1

تفوح في المجلس رائحة العود والهيل، وما فتح أحدٌ نافذةً منذ العصر.

أجلس حيث جلستُ في المرة الأخيرة، عن يسار الصدر، وعبايتي مسدولة ومحكمة الإغلاق فوق ركبتيّ، ويداي في ثنايا القماش. والشيلة مثبتة بالدبابيس؛ تفقدتها في السيارة مرتين، ومرة أخرى في الممر قبل دخولي.

حاتم الرميح لا يجلس. يقف بجوار الدلّة والسبحة في إحدى يديه، يمرر إبهامه من حبة إلى أخرى، والمجلس كله قد ترتب على مقتضى وقفته هذه. اثنان من أبناء عمومتي كفّا عن الحديث. والمقهوي أمسك عن الصب.

قال: «الأمر نفسه عُرض على هذا البيت من قبل، وفُصل فيه».

لا أحد يجيب. وعمي يمعن النظر في السجادة.

أعرف الطرق الثلاث، وقد سلكتها جميعًا هنا؛ خرجتُ مرة في منتصف تقديم القهوة، فامتد الممر أطول من السور الخارجي. وحبستُ نفسي في غرف أمي شهرًا، وانقضى الشهر. وتحديتُ المجلس مرة أمام صدرٍ مكتمل، فكسبتُ الحجة وخسرتُ المقعد.

يدير حاتم فنجانه ربع دورة، ويحطه دون أن يشرب.

يقول: «ما عاد فيه وقت ثانٍ. هي في هذه الليلة».

سكنت يد المقهوي فوق الدلّة. تحرك أحدهم في أقصى الغرفة، فبدا لحركته وقعٌ مسموع لصمت البقية. نهض عمي—لا ليتكلم، بل لمجرد النهوض—ومن خلفي فُتح الباب ذو المصراعين بيدٍ تعرف مفاصله جيدًا.

أبقي عينيّ مطرقتين نحو كُمّي؛ قماش أسود، وزر فضي وحيد، وشدة خفيفة للدرزة عند معصمي. لا أرفع بصري إليه.

كانت اليد التي على الباب يد خالد، ولم يكن الباب قد فُتح لأجلي؛ ظل ممسكًا به على مصراعيه وعيناه على السجادة بينما الكبار يخرجون واحدًا تلو الآخر، والممر يتلقاهم، ووقع خطاهم يبتعد فيه.

قال عمي من وسط المجلس دون أن يلتفت: «اجلسي».

كنتُ جالسة بالفعل. بقيتُ في جلستي، ويداي مبسوطتان داخل عبايتي، وترقبتُ أن ينتهي المجلس من فراغه. فرغ كما يفرغ أي مجلس حين لا يريد أحد أن يكون البادئ بترك أمرٍ معلق. قال اثنان من أبناء عمومتي الكلمات المعتادة عند العتبة، ولم ينظر إليّ أيٌّ منهما.

عاد المقهوي ليأخذ الدلّة، وظننتُ أن هذا منتهى الأمر، فالقهوة تخرج مع خروج الضيوف.

قال حاتم: «صُب».

لم يكن قد خرج من الباب، بل ظل عند الدلّة حيث كان واقفًا طوال المساء، والسبحة ملتفة لفة واحدة حول أصابعه الآن. التفت المقهوي لصوته التفاتة رجلٍ تلقى أمرًا لا يحتاج منه إلى تفكير.

تنحى عمي حينها عن وسط السجادة، ووقف حيث كان حاتم يقف—وشتان ما بين الموقفين—ثم أخذ يعدّ على أصابعه كأني فتاة بحاجة إلى من يذكرها بالحساب.

قال عمي: «ثلاثة طرق، مشيتِ فيها كلها؛ خرجتِ في نص القهوة، فامتد الممر أطول من السور برّا، ورجعتِ في الليلة نفسها. وحبستِ نفسك في غرف أمك شهر، وانتهى الشهر. وناطحتِ هذا المجلس قدّام صدر مكتمل، فكسبتِ الحجة وخسرتِ مكانك». أنزل يده ثم أردف: «ما فيه طريق رابع؛ ما لك إلا الجلوس هنا لين يقرر المجلس».

عمري 31 عامًا، وأنا في هذا المجلس منذ صرتُ بطولٍ يسمح لي بحمل الصينية، وسمعتُ هذه الجملة من أربعة أفواه مختلفة، وما كانت صادقة في أيٍّ منها قط.

وضع المقهوي الدلّة وصبّ. صبّ من علو، فانسابت القهوة خيطًا داكنًا وتكسرت في الفنجان، وملأه إلى ما دون النصف، ثم وضعه—قبل الصدر، وقبل عمي، وقبل أي أحد—على الطاولة المنخفضة أمامي.

كان للصمت هيئة ووزن. حرك أحدهم عند الجدار قدمه على السجادة، فكان للصوت دويّ.

قال عمي: «الفنجال الأول مهوب لها».

قال حاتم: «الليلة لها».

نظرتُ إلى الفنجان ولم أنظر إلى أي منهما؛ صغير، أبيض، سليم لا شائبة فيه، والهيل لا يزال يدور على سطحه. كل أمر في هذا البيت يُحسم بموضع نزول الفنجان، وكل نساء هذه العائلة يعرفن ذلك، وما قالته واحدة منا بصوتٍ عالٍ قط.

تناولته بيميني. كانت حرارته تنفذ من الخزف، لكني أمسكته رغم ذلك. وعمي يراقب يدي وهي تفعل.

همستُ: «خلاص»، حين همّ المقهوي أن يصب ثانية، وأملتُ الفنجان قليلًا في كفي، فتوقف، وعادت الدلّة إلى الصينية.

التف حاتم حول الطاولة حينها، ووقف حيث يصل نور الممر إلى السجادة، ولم يقترب أكثر من ذلك، ولم يجلس.

قال: «ما أحد طالع من هذا البيت الليلة؛ لا أنتِ، ولا الغرف، ولا هذا الخلاف». ودسّ السبحة في جيبه: «ما فيه وقت غيره. هي في هذه الليلة».

ومن خلفه، عند نهاية البهو، ظل الباب ذو المصراعين مفتوحًا على عتمته، ولم يكن أحد قد عبره بعد.