رجوع

في هذه الليلة

0%

Chapter 2 · التوقيع الثالث

في هذه الليلة Chapter 2

لم يجرؤ أحدٌ على عبور الردهة وباب الجناح مشرع. ثم وضع عمّي فنجانه دون أن يذوق منه شيئاً، فكانت الرنّة الهادئة للخزف على الصينية هي الإذن الذي انتظره المجلس.

قال: «اجلس يا حاتم. سمعتَ ما يكفي لهذه الليلة».

جلس حاتم، لا إلى جواري ولا في صدر المجلس، بل حيث يطال ضوء الممر كتفه، كافاً إحدى يديه مبسوطةً على ثوبه عند الركبة. نظر إلى نقش السجاد دون أن يلتفت نحوي، وكان صمته ذاك جوابه كله.

أدار عمّي المسبحة دورةً بين أصابعه، تاركاً حباتها تستقر في راحة يده.

وقال: «أتدري لِمَ لم يُبنَ الجدار الشمالي لهذا البيت مستقيماً؟».

كنتُ أعرف الجدار؛ مررتُ بحجارته المطلية بالجير منذ صغري، ولم أكن أظن إلا أنه بُني بغير إتقان، كما هي حال الحدود القديمة أحياناً.

قلت: «قُصّها».

فقصّها كما تُقصّ دوماً في هذا المجلس؛ وقفاتٌ موزونة تؤدي ما تعففت الكلمات عن حمله عمداً.

جدّه وأخو جدّه، والأرض المشاعة بينهما، خُطّت على رقّ بيد مسّاح لم تطأ قدماه الثرى قط. ووقعت البئر في نصيب الأكبر. وعُقد صلح في هذه الغرفة بالذات، على امتداد هذه المراكي نفسها، وصُبّت القهوة قبل أن يُفضّ رقّ السجل، فالأصول تُراعى هنا حتى وإن ضاعت الأرض.

قضت التسوية للأكبر بالأرض وللأصغر بالماء، واستلزم إغلاق صك الملكية توقيعاً ثالثاً. وكان ذلك الاسم الثالث لامرأة من أهل هذا البيت.

قال عمّي وهو يشير بإصبعين نحو الفراغ بين السجاد: «وقّعت عند الطاولة المنخفضة. ما أمرها أحدٌ بالخروج من المجلس؛ أُحضر لها المداد، فوقّعت باسمها، ورُفعت الحجة إلى السجلات. ولم يظهر اسمها على الأرض بعد ذلك أبداً».

تناول فنجانه حينئذ، واحتسى جرعة القهوة المرة بالهيل، ثم وضعه. فكان السكون الذي أعقب ذلك أثقل مما قبله.

قال بصوت خفيض: «ما عاد أحدٌ في هذه العائلة ينطق ذلك الاسم اليوم. لا عاراً، بل لأن الأمر سُوّي، والتسوية الناجزة تترك السقف آمناً».

قُدِّم صحن الرطب، فأخذتُ حبةً وأمسكتها بين أصابعي دون مساس. وظلّ مداسي عند عتبة الرخام حيث خلعته؛ قدماي منثنيتان بحرص تحت حاشية عباءتي السوداء، لا يظهر باطن قدمي لأيٍّ من كبار المجلس، أدبٌ غُرست هيئته فيّ منذ نعومة أظفاري.

قال عمّي وعيناه تستقران عليّ بلا ضغينة، وهو ما جعل التحذير أشدّ وطأة: «بقي الجدار مائلاً؛ فإن أقمته، فُتح باب التحكيم من جديد. لذا نترك الجدار على ميله، ولا نثير الغبار، وتسمع كلّ أجيالنا هذه القصة مرةً حين تلزم التسوية. فما من أحد ينسى ما يفتدي به البيت بقاءه».

سكت هنيهةً وهو يسوّي غترته.

ثم قال: «وبقي البيت قائماً، وهذا منتهى الأمر يا دانة. لم يسقط البيت».

فأجبته وصوتي ثابت: «بقي البيت قائماً، وسقط اسمٌ واحد». وضعتُ الرطبة بجوار فنجان الخزف سليمةً لم تُمسّ، وتابعت: «يا عمّي، تتحدث عن الحجر كأن الجدار كان الثمن الوحيد الذي دُفع».

«أتحدث عنه كما عِشناه».

قلت: «بل تتحدث عنه بكياسةٍ مفرطة، وتُسقط أنها جلست في هذا الجناح بينما اقتسم بنو العمومة ما كان لها، وأن أمها اضطرت لصبّ القهوة للرجال أنفسهم في الموسم التالي».

توقّف إبهام عمّي على حبات الكهرمان. لم يكن بادياً على وجهه غضب، بل ثقل الحسابات الباردة؛ فالحساب في هذا البيت يمضي في صمت، وأنا أعرف طويته منذ واحد وثلاثين عاماً.

تمتم عمّي بنبرة لم تكن مدحاً ولا عتاباً، بل حداً فاصلاً: «تحملين عناد أبيكِ».

ثم أمال كتفه نحو الباب وقال: «سمعتِ القصة».

قال حاتم: «دانة».

نطق اسمها دون أن يرفع ذقنه، بنبرة خفيضة مستقيمة، وقعت على الصمت كما يقع الحديد على الرمل. نظر إليه عمّي عبر السجاد، ممسكاً بزمام الصمت حتى أمال رأسه إمالةً واحدة؛ إقراراً صريحاً بمكانة ندٍّ بلغ مبلغه. فتقدّم المباشر ليصبّ لحاتم فنجاناً ثانياً، مبتدئاً بقهوته، فأذن حاتم بالصبّ دون أن يرفع الفنجان.

نظرتُ من ورائهما نحو الممر. كان الجدار المائل ينتصب في العتمة بالخارج، على بعد خمسين خطوة من مجلسنا، حداً اختاره قبل عقود رجالٌ حسبوا كلفة الخسارة على حساب غيرهم.

قلت: «تمّت التسوية يومئذ، وسمعتُ قولك يا عمّي. لكنك لم تبسط ورقة الليلة على السجاد بعد».

«ليس في هذه الساعة».

«إذن يُرجأ الأمر إلى الصباح، ويبقى الجدار على ميله».

جمع عمّي صوف بشته الداكن على ذراعه، في إشارةٍ رسمية تؤذن بالانصراف، بتؤدة ودون عجلة. وقال: «لقد احتملت هذه العائلة مثل هذا الحِمل من قبل، وستحمله الليلة، تحت أيّ اسم تقتضيه الضرورة».

نهض، ونهض المجلس معه في نفَسٍ واحد كما تقتضي الأصول. وقفتُ أنا أيضاً، وطرحتي مثبتة بإحكام، وحرير عباءتي الأسود ينسدل مستقيماً إلى الأرض، ولزمتُ مكاني حتى جاوز العتبة وغطّى المباشر الصينية.

لم يتبعه حاتم. وحين خلا المجلس ولم يبقَ سوانا تحت ثريا النحاس، بسط كفّه العريضة على الذراع المنقوشة للمقعد الخشبي الذي برحه عمّي.

في نهاية الرواق الحجري، ظلّ باب الجناح الخاص مواربًا. لم يخطُ أيٌّ منّا خطوةً نحوه بعد. كان الليل قد أخذ يبرد بالفعل، وباتت تلك العتبة تنتظر بيننا، صامتةً وحاسمة.