رجوع

في هذه الليلة

0%

Chapter 3 · دَينٌ مُرحَّل

في هذه الليلة Chapter 3

عاد المباشر بدفتر الحسابات قبل أن تبرد القهوة.

كان يحمله منبسطاً مسنداً إلى صدره، بكلتا يديه من تحته، كما يُحمل الشيء حين يثقل بأكثر من وزنه. وعند العتبة وقف ينتظر الإذن.

قال حاتم: «أدخله.»

أخلى المباشر الطاولة المنخفضة أولاً؛ الصينية، والفنجان، وصحن التمر، ثم وضع الدفتر على الخشب المجرّد. بعدها حلّ القيطان وطوى الغلاف إلى الوراء، فتهادى دخان المبخرة فوق الصفحات، واستقرّ على امتداد الورق دون أن يعلو.

كانت الصفحات مسطّرة في أعمدة. وقد مال الحبر إلى السواد المائل للبني عند الأطراف بينما احتفظ بسواده في الوسط، ولم يكن الخطّ خطّ أحدٍ ممّن ما زالوا على قيد الحياة في هذا البيت.

لم يجلس حاتم. بل وقف عند رأس الطاولة واضعاً يده على الكرسي الذي غادره عمي، يراقبني وأنا أقرأ.

ظللتُ جالسةً، مدركةً أن الوقوف فوق الدفتر ما هو إلا محاولة للتظاهر بأنك لم تُجبر على المثول أمامه. كانت عباءتي مجتمعةً عند ركبتي. سحبتُ نفحة الطيب نحو ياقتي بيدي، بدافع العادة، ثم أرسلتها.

كان العمود الأول للعام، والثاني للاسم، والثالث لمبلغٍ ما زال مرحّلاً، ما زال مفتوحاً. وفي أعلى الصفحة تشارك اسمان السطر ذاته: آل سبيط وآل الرميح؛ وتحتهما كفالة أُعطيت ولم تُبرأ ذمتها قط، دُوّنت بخط كاتبٍ دقيق، عائلة تقف خلف كلمة العائلة الأخرى في موسم لا يذكره أحد ممن في هذه الغرفة.

قال حاتم: «اقلبي الصفحة.»

قلبتها.

كانت الصفحة الثانية هي المطالبة ذاتها، مرحّلةً إلى الأمام. وكانت الثالثة المطالبة عينها مرحّلةً من جديد، المبلغ لم يتغير، والسنوات متراكمة على طول الهامش كدرجاتٍ تفضي إلى ماء. أربعون عاماً من التزامٍ لم يطالب به أحد ولم يقفله أحد، بتوقيع كل كبيرٍ من كبراء العائلتين تحته، بما فيهم أهلي؛ توقيع أبي الصغير الحازم، وتوقيع عمي من تحته، وفي الجانب المقابل شطبة حبر حيث بدأ توقيع ثالث وتوقف.

قال حاتم: «الصفحة الأخيرة.»

قلبها المباشر من أجلي.

لم تكن هذه الصفحة مطالبة مالية. بل كانت حصر حسابات للبيت؛ الحصص، والغرف، والأسماء التي لها مقام ومكانة فيه. وفي منتصف الصفحة، وبخطٍ أخف، كُتب اسم امرأة ثم شُطب عليه بخطٍ واحد من أوله إلى آخره، بقوة بالغة جعلت سن القلم يمزق الورقة عند طرفه.

كنت أعرف الاسم. إنها عمة أبي. كان لها غرفة في هذا البيت يوماً ما، ثم لم يبقَ لها سوى سطر في دفتر حسابات، ثم لم يبقَ لها هذا ولا ذاك.

وضعتُ إصبعي على الشطب، لا على الاسم. «خط مَن؟»

قال حاتم: «خط الكاتب. بأمرٍ من جدي. وكان جدك في الغرفة ولم يمنعه.»

«هذا ليس جواباً.»

«إنه الجواب الوحيد المدوّن هنا.»

ظل بصر المباشر معلقاً بوسط الطاولة، حيث يثبّت خادم المجلس نظره عادة. وتدلت الثريا النحاسية بنورها الساكن فوقنا، بينما تسللت البرودة من أسفل الباب لتستقر حول كاحليّ، ولم يكن في الغرفة أحد ليمدّ لي سبيلاً لتخفيف وطأة هذا الأمر.

رفعتُ الفنجان الذي كان قد صُبّ وتُرك، وفيه أقل من نصف الكيل كما ينبغي. شربتُ. بلغني الهيل أولاً، وتلته المرارة.

قلت: «لم تفتح هذا الدفتر لأجل الكفالة. فتحته لأجل هذا الشطب.»

قال: «فتحته لأن القاعة ستسأل الليلة عما يدين به الاسمان أحدهما للآخر. وفضّلتُ أن تقرئيه هنا على أن تسمعيه هناك.»

«وما الذي تنتظر القاعة أن يُتلى عليها جهراً؟»

«أن الدين ما زال قائماً، وأن الاسم يمكن أن يُشطب من الصفحة بأي يدٍ تمسك القلم.»

وضعتُ الفنجان ودفعته برفق قيد بوصة بعيداً عن أصابعي، وهي الطريقة التي يُردّ بها الفنجان حين لا يكون الجواب قبولاً.

قلت: «فليُتلَ جهراً إذن. وحين يُتلى، سأجلس إلى تلك الطاولة، وسأقول ما حُرِمت عمة أبي حق النطق به في زمنها.»

قال: «إن شاء الله.» ولم تكن مجرد أمنية؛ بل نطق بها كما ينطق المرء بموعدٍ قد غدا أمراً واقعاً. «ستكونين عند الطاولة. والمقعد سيبقى موجوداً، سواء جلستِ عليه أو أبيتِ.»

«ليس هذا كتركه متاحاً لي.»

قال: «لا، ليس كذلك.»

أفلت كرسي عمي، فأصدر الجلد أنيناً خافتاً وهو يستوي، وبقي ذلك الصوت الوحيد في المجلس.

قلت للمباشر: «يعطيك العافية.» وكان قد وقف طوال ذلك الوقت دون أن يؤمر بشيء، ولم يرفع طرفه نحوي قط بينما كنت مجبرة على النظر إلى ذلك الشطب.

فأجاب: «الله يعافيك يا سيدتي.» وطوى الدفتر وأحكم شدّ القيطان حوله، قبل أن يسأل إن كان ينبغي إعادته إلى الخزنة.

قال حاتم: «اتركه.»

فبقي مكانه، ممدداً ومفتوحاً على الاسم المشطوب. انسحب المباشر وأطبق دفتي باب المجلس وراءه، تاركاً البيت يغرق في تلك الساعة التي تبرد فيها القهوة ولا تعود تُدار.

عند الطرف الأقصى من الردهة الحجرية، كان باب الجناح الخاص موارباً. لم يلتفت نحوه؛ بل بقي عند رأس الطاولة ونور النحاس يسقط على كتفيه، بينما وقفتُ في مكاني، طرحتي مثبتة ويداي ساكنتان إلى جانبي، دون أن يسمّي أيٌّ منا أيّ الأبواب ترتقب هذه الليلة فتحه.