Chapter 4 · خطٌّ مشطوب
تردّد صدى البوابة الخارجية قبل أن يتحرّك أيٌّ منا.
لم تكن طرقة، بل رزّة باب سيارة بكامل ثقله، ثم رنّ الجرس مرتين؛ وتلك هي الطريقة التي يُعلن بها رجلٌ من بيت أبي عن حضوره حين لا ينوي أن ينتظر. لم يقف حاتم، بل نظر مرةً واحدة إلى الباب الموارب في أقصى الردهة الحجرية، ثم التفت إليّ، ثم حدّق في الفراغ.
قلتُ: «إنه عمّي».
قال: «أعرف وقْع خَطْوه»، وأغلق الدفتر بيدٍ واحدة.
أدخله القيّم على البيت. فلأنه شقيق والدي، فُتحت له الأبواب دون أن يسأل أحدٌ عن اسمه. ووقفتُ يدايَ إلى جانبي، عباءتي فوق ثيابي وطرحتي مثبتة، وبادرته بالسلام كما يفعل الصغار.
قال: «يا بنتي». ولم يزد. فما عُهد عنه قط أن يكثر الكلام عند العتبات.
كان البخور قد طِيف به من قبل، ودخانه أخذ يرقّ ويتلاشى عند السقف. نظر إلى الدفتر نظرةً واحدة، إلى الخط المشطوب فوق الاسم، ثم أشاح عنه، وفهمتُ أنه ما جاء إلا ليتحدث عن الشطب.
أجلسوه عن يمين حاتم، وهو المكان الثاني في تلك الغرفة، فجلس دون أن يلتفت ولو التفاتةً واحدة إلى صدر المجلس، وإن كان كل رجل في المجلس قد التفت نيابةً عنه. كان ضوء الثريا النحاسية ينصبّ عليهما، فبدا أحدهما طاعناً في السن، وبدا الآخر صبوراً.
صُبّت القهوة من الدلة عاليةً في الفنجان بما دون نصفه، وقُدّمت باليمين. تناولها عمّي، فشرب ومدّ يده، فصُبّ له من جديد، وفي المرة الثانية هزّ فنجانه مرتين ووضعه. وكان التمر على طرف الفنجان فلم يأخذ منه شيئاً.
قال: «جئتُ في شأن ورقة».
فقال حاتم: «تقهوَ أولاً».
قال عمي وهو يضع الفنجان: «قد تقهويت. كُتبت ورقةٌ ذات يوم في غرفةٍ مثل هذه، قبل أن تولدي يا دانة. وكنتُ حاضراً فيها، ووقّعتُ عليها شاهداً، في الزاوية حيث يوقّع الشهود».
سكتُّ، لأنني أعرف القصة كما يعرف البيتُ رائحة مستودعه.
قال: «عمتك ريم. أخت أبيك. أختي أنا. كانت في مثل سنّكِ هذه، وركِب رأسَها أن تستمسك بما أُعطيَت لتصونه. طلبت منها العائلة أن تتركه، فأبت، على نحو ما تفعلين أنتِ الآن. رفضت مرتين، وفي الثالثة عُرض عليها ما تعرضه العائلة حين تقطع أمرها: البيت الذي في أطراف المدينة، ودخله، والأوراق، ورَفْع اسمها من السجل».
قلتُ: «رَفْع اسمها؟».
قال: «شُطب عليه. كما يُشطب بالقلم». ولم ينظر إلى الدفتر ثانية. «فرَضيت. كانت ذات كبرياء، ورَضيت، وعاشت بعدها عشرين سنة وزيادة في ذلك البيت، وما قصد بابَها أحدٌ من هذه العائلة ليعيّرها، ولا ذُكر أمرها في مجلس. وهذا ليس بالشيء الهيّن يا بنتي. تمّ الأمر في ستر، وتمّ بإنصاف، وكُفلت حتى ماتت».
«واسمها؟».
«ليس في الدفتر».
قلتُ: «إذن لم تُكفل، بل حُبست. أنت رجلٌ تحسب كلامك يا عمّي، وانتقيتَ لفظةً حذرة. لكنّ المرأة التي تُحبس في بيت بأطراف المدينة ليست كالمرأة التي تعيش فيه. قلتَ إنها عاشت، وقصدكَ أنها رُكنت هناك».
أدار عمّي فنجانه ربع دورة على الطاولة، وتلك عادته حين يكظم صوته عن الارتفاع. قال: «كانت هي أيضاً ذات كبرياء؛ أشدّ كبرياءً منكِ، وجاء يومٌ رأت فيه الأمر على حقيقته قبل أن يضطر أحدٌ لأن يريها إياه».
«إذن كانت أسرع فهماً مني».
أخرج الورقة من الجيب الداخلي لثوبه، مطويةً مرتين، ووضعها على الطاولة ومسح عليها بأصبعين حتى استوت. ورأيتُ اسمي مكتوباً في الفراغ المتروك له، والحبر لم يجفّ بعد في المكان المخصص لتوقيع الشاهد.
قال: «اقرئيها. تجعل لكِ البيت الذي على طرف طريق الخرج، ودخله، وثُلث أرض النخيل التي فرزها أبوكِ قبل موته، وشروطها أوفى من شروطها هي. وفي المقابل تتنازلين عن مقعدكِ وعن اسمكِ من سجلّ العائلة، فلا تجلسين في مجلسها، ولا يُذكر اسم العائلة في هذا البيت، ولا يُذكر اسم هذا البيت في مجالسها».
قلتُ: «كتبتَها بإنصافٍ تام. فليس فيها شيءٌ إلا وهو لي من قبل، عدا اسمي».
«وهذا هو الثمن الأغلى».
«فقوّمه إذن بصدق يا عمّي، ولا تكتبه باليد نفسها التي تمنح بها عطية».
في الناحية المقابلة من الطاولة، لم يتحرّك حاتم ولم يمسس الورقة. أخذ الفنجان القائم عند مرفقه، ونظر فيه، ثم دفعه بأصبعين من قاعدته عبر الطاولة نحوي؛ لم تكن تلك كلمةً منه ولا فضلاً بالمعنى الدقيق، لكنّ كل رجل في تلك الغرفة رمق الفنجان حيث سار، وبعد أن استقرّ عندي، بدت الورقة على الطاولة شيئاً أصغر شأناً مما كانت.
قال حاتم: «الورقة تحتاج إلى شاهدٍ من أهل هذا البيت. ولن تجد».
قال عمّي: «هي من أهلي أنا، وليست من أهلك. ليس بعد، ولعلها لن تكون أبداً. وأنت تجلس في بيتٍ شهد مثل هذا من قبل، وحفظ دفاتره وشطب خطوطه».
قال حاتم: «أنا أعلم بما يحويه دفتري».
انتظر عمّي، فلما لم يَزده حاتم شيئاً، تنفّس من أنفه تنفّساً عميقاً، وهو منه بمنزلة الصرخة عند غيره من الرجال. ثم عاد يتكلم من جديد بصوتٍ أخفض، عن أرض النخيل والشروط والعشرين سنة. وتركته يتحدث؛ إذ ليس من الأدب قطع حديث رجلٍ طاعن في السن. وكنتُ أنظر إلى اسمي في الفراغ المتروك له، وأفكر في اسم ريم المشطوب عليه في دفترٍ داخل غرفة مثل هذه، وفي كيف يمكن للأمر أن يتمّ في سكونٍ تام، ويظلّ مع ذلك أمراً قد قُضي.
قال حاتم أخيرًا: «اترك الورقة. يمكن أن تبيت هنا ليلة».
أسند عمّي ظهره إلى الوراء: «ليلة».
«ليلة واحدة».
«إذن سآتي لآخذها في الصباح، وإما أن يكون عليها توقيع أو لا يكون، وإن لم يكن عليها توقيع يا بنت أخي، فلن تطلب العائلة للمرة الرابعة. هذا ليس تهديدًا، بل هو آخر الطلب».
نهض. ونهضتُ أنا، لأنه أكبر منّي سنًا ولم أُربَّ على أن أجلس ورجل مسنّ واقف. بسط كفّه على الطاولة مرة واحدة، قرب الورقة لا فوقها، ونظر إليّ بالطريقة ذاتها التي كان ينظر بها إليّ حين كنتُ طفلة وكسرتُ شيئًا؛ أي دون قسوة، ودون أي رجاء في أن أكون قد فهمت.
قال لي: «يا سيدتي»، وخرج، ورافقه القيّم حتى البوابة، ورُدّت درفتا باب المجلس خلفه.
لم يكن حاتم قد نهض. كان جالسًا في صدر الطاولة، والضوء النحاسي ينسكب على كتفيه والورقة بيننا، مقلوبة بحيث يواجه اسمي وجهي، وفي الطرف الأقصى من البهو الحجري ظلّ باب الجناح الخاص مواربًا، تمامًا كما كان قبل ذلك.
قال: «خلاص»، ولم يكن يوجّهها لي، ولم تكن تخصّ الورقة.
وهكذا انتهت الجلسة، وبقيت الورقة ممدّدة في مكانها، ولم يُكتب فيها أي شيء على الإطلاق.