رجوع

أوراق شمعون المصري

0%

Chapter 1 · العهد المنقوض

أوراق شمعون المصري Chapter 1

كانت صحيفة الخطبة لا تزال في يد أمي حين أقبل رجال القبيلة ليفصلوا في أمري.

نصبوا السرج في حلقة وأوقفوني عند حافة النور، حيث يُقضى للمرأة وعليها. كان الوعد بخطبتي لابن عمي قد قُطع منذ سنين طوال، قطعه آباؤنا على طاسة حليب كنتُ أصغر من أن أرفعها، ودون أن يستأمرني أحد. والليلة فهمتُ أن وعداً قُطع بمعزلٍ عني، يمكن أن يُنقض وأنا واقفة في وسطه.

تكلّم والد ابن عمي أولاً؛ فاستعمل لفظاً لنكث العهد، ثم لفظاً للثمن والتعويض، وما بين اللفظين لم يُجرِ اسمي على لسانه قط. ومن ورائه، أصدرت النساء همهمة خافتة، كحفيف خيمة حين تنقلب الريح.

كانت عباءتي مزمومة حتى نحري، واللثام مسدولاً حتى حاجبيّ، وتحته كان وجهي يتوقد كحجر في هجير الظهيرة. ألزمتُ عينيّ الثرى وتركتهم يخوضون في حديثهم.

ثم أقبل شمعون من عتمة الليل ووقف في وسط الحلقة دون أن ينطق. ولم يكن بحاجة للكلام؛ إذ انقطع الحديث فور وقوفه. لقد جاء من مصر ولا يملك شيئاً مما يعتدّ به أهل المضرب؛ فلا أبٌ له يجلس مع الكبار، ولا حلال، ولا أرض، ورغم ذلك انفرجت له الحلقة، وسكنت أيدي رجالٍ كانوا يتعالون بالصياح.

التفت التفاتة واحدة بطيئة، فألجأ كلاً منهم إلى النظر إليه، وكان آخرهم والد ابن عمي.

قال: «هاتِ الصحيفة.»

لم تتحرك أمي.

فقال: «ضعيها في يدي، وسأردّ على هذه الدعوى الليلة أمامكم جميعاً؛ بعهدٍ لا بثمن.»

قبضت يد أحدهم على طنب الخيمة وتشبثت به. اضطرب السراج بيننا، وخبا نوره، ثم استقام ثانية؛ فرأيتُ في ذلك الضوء معصمه، والخيط المعقود حوله، والغبَرَ العالق في نسيج كُمّه.

استقرّ نور السراج، وظلت يد أمي مطبقةً على القماش المطويّ.

قال والد ابن عمي: «انطق به إذن. هاتِ عهدك هذا ودع المضرب يزنه.»

التفت شمعون حتى صار يوجّه كلامه للحلقة كلها لا للرجل وحده: «رُئيت عند البئر، تلك هي الدعوى. انتقل قدحٌ من يدها إلى يدي، ومن ذلك القدح نسجتم نكثاً للعهد.» سكت هنيهة، ثم أردف: «القدح كان قدحي، واليد التي تناولته كانت يدي؛ فاجعلوا الدعوى عليّ أنا.»

قال والد ابن عمي: «أنت لست شيئاً هاهنا. لا بيت لك، ولا حلال، ولا والد يجلس مع الوجهاء. فبأي شيء تردّ؟»

«بما أملك.»

ضحك رجل في مؤخرة الحلقة ضحكة مقتضبة، ثم انقطع حين لم يجاره أحد.

قال والد ابن عمي: «ستُعقد جلسة، تقف فيها وتجيب. هكذا تُبرّأ السمعة، أو لا تُبرّأ.»

قال شمعون: «بل هكذا تُبتذل السمعة، وأنت تعلم ذلك. ما إن تقف في تلك الحلقة، فلن يهمّ ما يخرج من فيها؛ فلن يذكر أهل المضرب سوى أنها وقفت.»

تحرك إبهام أمي حركة واحدة على القماش ثم سكن. وكانت تلك اللحظة الأولى طوال المساء التي خامرني فيها الخوف.

بسط والد ابن عمي يديه وقال: «إذن، عهدٌ منقوض؛ يُدفع الثمن وينتهي الأمر.»

قال شمعون: «لا، بل هو عهدٌ وينتهي الأمر. أنا كفيلٌ باسمها وشرفها. الليلة، أمام كل رجل وامرأة في هذا النور، وبعد هذه الليلة لن يلوك أحد في هذا المضرب سيرتها في التراب؛ لا في مجلس، ولا عند البئر، ولا وراء الخيام حيث تظنون أنني لا أسمعكم.»

«وإن عجزت عن الوفاء؟»

«تأتوني لتأخذوا حقكم مني، وسأكون واقفاً حيث تجدونني.»

صرّ حبلٌ من حبال الخيام. وسكنت النساء خلفي تماماً، فما عاد يُسمع منهن همس، وكان ذلك الصمت أشد وطأة من همهمتهن الأولى.

قال شمعون: «الصحيفة.»

طرف والد ابن عمي بعينيه وقال: «ماذا؟»

«صحيفة الخطبة. أعطني إياها.»

«ليست لي حتى أعطيك إياها.»

قال شمعون: «أعلم ذلك، ولم أكن أسألك أنت.»

التفتت كل الوجوه في الحلقة نحو أمي. لم تكن امرأة فارعة القامة، وقفت ضامةً القماش إلى صدرها كما تُضم طفلة أُطلق عليها اسمها تواً، ونظرت إلى شمعون طويلاً دون أن تتحرك.

أنصتُّ إليهم وهم يقررون مصيري طوال مدة تكفي ليفنى زيت السراج. كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وكنت قد وُعدت على طاسة حليب عجزتُ لصغري عن رفعها، والمساء كله وأنا موضوع جدال بين رجال لم يُجرِ أحدٌ منهم اسمي على لسانه قط، كأنني علامة أرض أو بئر ماء.

قلت: «لقد سمعتُ ما قلتم.» خرج صوتي أخفت مما أردت، لكنه ثبت ولم يرتجف: «سأقول كلمة واحدة ثم أسكت.»

التفت والد ابن عمي مباغتاً، كما يُباغت المرء بقطعة أثاث نطقت.

«اسمي أروى.» قلتها وأنا أوجّه عينيّ إلى الحلقة، إلى الجميع، وأسمعتهم إياها واضحة: «مرتين هذه الليلة حسمت هذه الحلقة أمري، وما جرى اسمي فيها مرة واحدة. أبي تحت الثرى ولا يستطيع أن يدافع عني، لذا أردّ أنا عن نفسي.» كان اللثام لاهباً على جبهتي، لكنني ثبتّ بصري: «أنا لم أنكث العهد، ولم يستأمرني أحد حين عُقد. وإن كان لا بد من نكثه، فليكن ذلك علانية بالحق ووفق الأصول، لا أن يُقضى فيه خلسة فوق رأس أمي كأنه دين يُقضى.»

لم يتكلم أحد.

قلت: «تبقى الصحيفة مع أمي، حتى يُكتب العهد ويُتلى. وحين يُتلى، سأسمعه بأذنيّ هاتين؛ فإن صحّ العهد وجاز، سُلّمت الصحيفة. لا قبل ذلك.»

تنحنح شيخ طاعن في السن قرب النار. كان الشيخ عابر يجلس ساكناً طوال الوقت حتى خاله الناظر في ضوء السراج جزءاً من عمود الخيمة. كان أسنّ رجال المضرب، والوحيد الذي لم يقف حين علت الأصوات بالصياح.

«أحسنتِ الفتاة القول»، قال، «وقد تكلّمت آخر القوم، وذلك حقّها». ووضع كفّه مبسوطةً على ركبته. «يا مصري، إذا أصبحتَ فأتِ خيمتي. تجلس ونكتب هذا العهد سطراً بسطر، وأضع ختمي أسفله، ثم يُتلى على مسمعٍ من الجميع. وإلى أن يُتلى، فإنّ الحلقة مغلقة في هذا الشأن. خذ دعواك وعُد إلى أهلك»، قالها لأبي ابن عمي بلا حدّة. «وسيأتيك جوابك عند الظهيرة».

بدا أبو ابن عمي كمن يريد أن ينطق بكلامٍ ذي شأن، غير أنه وجد أن شأن المساء كلّه قد انصرف. جمع شتات عباءته ومضى، وتبعه اثنان من رجاله، وانفضّت الحلقة كما تنفضّ الحلقات؛ شذراً مَذراً، سراجاً تلو سراج.

التفّت يد أمي حول مرفقي وجذبتني. أحاطت بي النسوة، ورُفِع طنب الخيمة، فالتفتُّ خلفي التفاتةً يتيمة من تحت عضدي.

لم يكن شمعون قد تحرّك من موضعه في الوسط. كان الرجال يمرّون به من جانبيه ويفسحون له الطريق دون قصدٍ منهم. كان الحبل ما يزال معقوداً حول معصمه، والغبار متداخلاً في نسيج كُمّه، وعيناه معلّقتان بالموضع الذي كانت فيه قطعة القماش على صدر أمي.

---

أتى إلى حافة ضوء سراجنا قبل الفجر بساعة، وتوقّف هناك، عند الحبل، ولم يمدّ إليه يداً.

خرجتُ متلفّعةً بعباءتي محتجبةً بطرحتي. كان البرد يرتفع من جوف الأرض. وفي مكانٍ ما وراء الخيمة الأخيرة، كان كلبٌ ينازع الفراغ بنباحه.

«كان ينبغي أن تكوني نائمة»، قال.

«وأنت كذلك».

أخرج شيئاً من داخل كُمّه؛ قُصاصةً بحجم راحة اليد، قد لانت زواياها من البلى، ولونها كلون الشاي الخفيف. بسطها على كفّه بيننا.

«ما هذا؟»

«ورق بردي». قلبها، فإذا على أحد وجهيها عمودٌ من علامات صغيرة تتوالى في سطر، بينما الوجه الآخر خاوٍ. «أسقطه كاتب الحساب في حقل اللَبِن. كان وجهه ممتلئاً بالكتابة، ولم تكن له حاجةٌ بظهره».

«وأنت كانت لك به حاجة؟»

«احتفظتُ به ثلاثة أشهر قبل أن أجرؤ على خطّ أي شيء عليه». ولمس العلامة الأولى في أعلاه بحافة إبهامه، كما يلمس المرء ندبةً ليتيقّن من اندمالها. «هذه. كان هناك رجلٌ مسنّ في زمرتي؛ لم يعد يقوى على حمل القش، ولا على رفع الماء، وفي أحد الصباحات أخرجه السُّعاة إلى ما وراء آخر صفٍّ من اللَبِن وضربوه حتى احمرّ الغبار حوله». قالها بنبرةٍ هادئة رتيبة، كما يقول المرء أمراً ردّده في نفسه مراراً في الظلمة. «لم يحسب ذلك أحد. في سجلّ الحساب كان مجرّد يوم ثلاثاء من لَبِن. فخططتُ علامة. علامتي الأولى؛ أول يومٍ لم أكن فيه في مصر، مع أن قدميّ كانتا لا تزالان فيها».

نظرتُ إلى عمود العلامات. كانت كثيرةً جداً.

«لم يَعُد لديك متّسع»، قلتُ.

«صحيح». سكت هنيهة. «المرء الذي تُحصى أيامه في حساب غيره ليس سيّد نفسه؛ ولهذا أحصي أيامي».

حرّكت الريح شِقاق الخيمة خلفي. لا بدّ أن أمي مستلقيةٌ في الجانب الآخر مفتوحة العينين؛ فما نامت قطّ وأمرٌ من الأمور لم يُحسم بعد.

«إذن اخطط لهذه الليلة علامة»، قلتُ.

نظر إليّ نظرةً طالت هنيهة، ثم صنع أمراً لم أتوقّعه. وضع القصاصة على الحجر المستوي بيننا، ووضع القصبة بجانبها، ثم تراجع إلى الوراء.

«اخططيها أنتِ»، قال.

تناولتُ القصبة. كانت دافئةً من كفّه، غير أني لم أُبْدِ ذلك. انحنيتُ وخططتُ شَطبةً واحدة في أسفل العمود، وكانت يدي أثبت ممّا كان عليه صوتي في الحلقة.

«ماذا ستسمّينها؟» قال. «سوف يُتلى العهد عند الظهيرة. أعطني كلمةً لهذه الليلة، وسأكتبها كما تنطقين بها».

وضعتُ القصبة. كان الحجر بارداً ينفذ برده إلى راحتي. كان يقف على مبعدة ذراعٍ كاملة، ولم يدنُ خطوةً قطّ.

«سَمِّها: بداية»، قلتُ. «ليست نهاية، بل بداية».

أومأ برأسه في تمهّلٍ كأنه يزن الكلمة، ثم تناول القصاصة ودسّها في كُمّه.

«إذن عند الظهيرة»، قال.

استدار ومضى في الظلام بلا سراج، وظللتُ واقفةً حتى انقطع عني وقع خطواته، ثم دلفتُ إلى الخيمة.

كانت قطعة القماش ما تزال مطويةً على صدر أمي، وأصابعها ما تزال مقبوضةً عليها. استلقيتُ في ناحيتي من الخيمة متلفّعةً بعباءتي وطرحتي ما تزال على شعري، ولم أخبرها بما خُطّ على الحجر، وهي لم تسألني، ولبثنا كلتانا نرقب سقف الخيمة وهو يغدو رمادياً مع انبثاق الضوء.