رجوع

أوراق شمعون المصري

0%

Chapter 2 · عند حجر العتبة

أوراق شمعون المصري Chapter 2

أقبل مع انتصاف الظهيرة، ووقف حيث ينتهي ظلّ الخيمة فلم يتجاوزه بخطوة. كان يحمل لوح الشيخ تحت إبطه والقصبة في يده، وظلّ واقفاً في وضح الضياء.

كانت أمي تجلس في مؤخرة الخيمة والثوب المطوي في حجرها. لم تضعه جانباً منذ الليلة الفائتة، ولم تضعه الآن.

قال: «ثمّة حسابٌ يُكتب قبل الكلام. عابر يريده بخطٍّ غير خطي».

«وما خطي بخطّ ورّاق».

«هو خطٌّ بيّنٌ نقي، رأيته مرّة».

قلتُ: «مرّةً واحدة».

«ومرّةٌ تكفي لتمييز الخط».

وضع اللوح على حجر العتبة، نصفه في الظل ونصفه في الشمس، ثم جلس على عقبيه فوق الحصير في الخارج. كان قد سلك الطريق الأطول، مارّاً بنار الرجال، ليرى الجميعُ أنه قصد رواق خيمةٍ في وضح النهار لا تحت جنح الظلام.

جثوتُ داخل الرواق، وقد أحكمتُ شدّ شيلتي والتففتُ بعباءتي، ثم تناولتُ القصبة.

قال: «ابدئي من عند الطلاء».

فكتبتُ. هذا ما أملاه عليّ، ولم أحِد عنه قيد أنملة.

غصّ الزقاق في طرف القناة بالمارّة قبل أن يغيب الضوء. لم يطرق أحدٌ باباً ولم يحمل أحدٌ خبراً؛ كان الصوت الوحيد جلبةَ جمعٍ غفيرٍ يحملون متاعهم على غير هدى. صُرّةٌ تنزلق، وقِدرٌ يُحطّ ويُترك، وامرأةٌ تنادي اسماً واحداً مرتين دون أن يرتدّ إليها جواب.

كان بيت زكريا قد طُلي في ذلك الربيع؛ زُرقةٌ فوق العتبة العليا وشريطٌ من المغرة الصفراء تحتها. وقد جعل ابنه يمسك قِدر المغرة وهو يعمل، لاعناً الذباب وثمن الصباغ الأزرق. كان الباب مفتوحاً على مصراعيه، ولم يكن خلفه سراجٌ موقد.

كانت أمه قد فرغت لتوّها من العجن. كان العجين لا يزال يختمر في الإجانة، فجمعت القماش والعجين في جوفه وضمّت ثقله كلّه إلى صدرها. ذلك ما استنقذته؛ الشيء الوحيد الذي حملته معها ولم يكن من لحمٍ ودم.

حمل شمعون جَرّة الماء، والحصير، ونعلَي أبيه الأخريين.

عند المنعطف، جلس شيخ الزقاق عند عتبة بابه وعصاه ممدودة فوق ركبتيه، لا يكلّم أحداً ولا يسأله أحد، ولم يلتفت المسرعون ليردّدوا النظر في وجهه.

وبعد آخر مسكن، تلاشت الأرض في حَفافِ القصب، وكان ماء القناة يبلغ الحقوين، دافئاً ويجري بأسرع مما يبدو للعين. وقف زكريا في وسطه وفكّ رزمةً من قماشٍ مشمّع: صكوكاً، وسجلات، وما تملكه العائلة وما لها من ديون، وأسماء الموتى، وبنود مظلمة قديمة مع أهل المستوطنة المجاورة. وضعها في يدَي ابنه تحت سطح الماء العكر. تناولها الصبي، إذ كان ما يزال غلاماً، ولأن يدي أبيه هما من أمرتاه بذلك.

ثم نطق أبوه بأمرٍ واحد. رجوته أن يعيده بحروفه، ففعل.

«إن سقطتُ، فلا تقف لأجلي».

«وبعد؟»

«ولا شيء. لم يقلها مرتين، ولم يقلها بلين».

التفتَ التفاتةً واحدة من الضفة الأخرى نحو الطلاء؛ فبقي العلامة الوحيدة في الزقاق التي احتفظت بلونها الذي ارتدته ذاك الصباح.

بعد ذلك جاء قصبٌ أطول من قامة رجل بالغ، ووحلٌ يقبض على النعل قبل أن يفلته، وملحٌ يجفّ ويتصلّب على الشفاه قبل انتصاف الليل. طار مالك الحزين من فوقهم دون فزع. وكان حفيف القصب أجهر من وطء الناس وعُبورهم.

وعند الفجر وقفوا والماء يبلغ الركب، واستحالت السماء إلى لون ذلك الشريط المغريّ تماماً.

سألته: «ماذا صنعت أمك عند الفجر؟»

«عدّتنا. تسعة، مرتين على التوالي. ثم وضعت العجين على حجرٍ وغطّته بعدما بدأ يختمر، وجلست إلى جانبه صامتة حتى علت الشمس كبد السماء».

«والعبور؟»

«العبور لليلةٍ أخرى».

«سيسأل عابر».

«فليسأل عابر في ليلةٍ أخرى إذن». ونهض قائماً على قدميه. كان ملحٌ قديمٌ أبيض جافّ يعلو شراك نعله، لم يُكشط. قال: «مع مغيب الشمس... يُكتب الكلام».

ثم انصرف، تاركاً اللوح دافئاً بحرارة الشمس فوق حجر العتبة.

لم تتحرك أمي من مكانها. ودون أن ترفع بصريها قالت: «يهبكِ الطريق ويحبس عنكِ الماء؛ ورجلٌ يصنع هذا لم يخبركِ بشيء بعد». ثم أردفت: «ستعلم أم ابن عمكِ أنه جلس قبالة رواقنا في الظهيرة، وستحسب حساب الساعة قبل أن تزن السبب».

نسختُ الحساب بخطٍّ نقيّ، ولم أغيّر فيه حرفاً. وحين مالت الشمس وانزاحت عن حجر العتبة، قلبتُ اللوح ودوّنتُ صاحب الشهادة، وأسفله خططتُ اسمي، دقيقاً صغيراً، حيث لا يخطر لأحدٍ أن يبحث.