Chapter 26 · عهد بالحبر
استقرّ دفء الرضيع على صدري، وكانت أنفاسه الخافتة تداعب كتّان ثوبي. وإلى جوار السرير الخشبي المنخفض، ضمّت كبيرات خيمة أمي شالاتهن، وعيونهن ترقب وتزن هذا الرجل الهادئ الذي أتى بي من بلاء قفار الشمال إلى تلال الوادي الحمراء. وعلى سنّة القبائل، ينسب الولد إلى العشيرة التي يُعلَن نسبه في مجالس نارها؛ فمن دون أمارة أبوّة لا مراء فيها، ستظلّ همسات الأقارب الأباعد عالقة كغبار تسوقه الريح عبر بابٍ مفتوح.
لكنّ شمعون لم يدع حمايتنا لتقلبات ذاكرة الرجال؛ إذ استدار مبتعداً عن العتبة، ومضى نحو صندوق خشب الأرز الذي أودعه بقاياه من مصر، تلك التذكارات البالية التي حملها عبر التيه والجفاف والترحال. ومن لفافته القماشية، أخرج صحيفة ملساء من ورق البردي، بلونٍ ذهبي شاحب قوّستها السنون، ومعها قلم قصب ومحبرة فخارية فيها مداد أسود داكن من السخام.
قال شمعون بصوتٍ خفيض رصين، وعيناه ترنوان إليّ وهو يسوّي الصحيفة على لوحٍ حجري مستوٍ: «إن عشائر هذه الرمال تكل عهودها إلى أصوات تذروها الرياح. أمّا حيث تعلمت، فإن ما يُخطّ بعهدٍ يظل باقياً أطول من أعمار الحكّام. سيُكتَب هنا، أمام أهلك وتحت أديم السماء».
غمس القصبة في المداد بيدٍ متئدة، وظلت وقفته متماسكة صارمة، تشي بوقار كتبة مصر وانضباطهم، أولئك الذين كدّ بينهم قبل الفرار إلى الصحراء.
الفصل 26 مقفل
افتح كل الروايات المصورة
قصص مع مشاهد مصورة وموسيقى تصويرية.
✓ وصول فوري✓ دفع آمن عبر Stripe✓ إلغاء سهل عبر الإنترنت
متابعة القراءة · ٤٩٫٩٩ ر.س/شهر ←٤٩٫٩٩ ر.س اليوم · يتجدد شهرياً · ألغِ في أي وقت