Chapter 3 · ثمن البئر
بدأت القِرَب تنفد في اليوم الرابع بعد مجاوزة القصب، وفي اليوم الخامس فني ما فيها تماماً.
هذا خبر اليوم الخامس كما رواه لي بعد ذلك، وقد دوّنته على ترتيبه، دون أن أزيد عليه شيئاً.
يحدث الأمر في صمت؛ يرفع الرجل قِربته من قوائمها فترتخي في يديه هامدة، فيهزها فلا يخرج منها إلا الغبار وريح حديد عتيق، فلا ينطق بكلمة، ثم يرفع الذي يليه قربته. وحين تعامدت الشمس في كبد السماء، كان الركب قد توقف من تلقاء نفسه، دون أمرٍ يُعطى، تماماً كما يسكن الجسد حين لا يبقى فيه دمٌ يُبذل.
وعلى مبعدة في الأمام، حيث ينعطف الدرب عند جرف من صخر أسود، كان ثمة صهريج. شَمّوا ريحه قبل أن يروه؛ ريح الحجر المبلول، وتلك الرائحة الخضراء الباردة لمكانٍ ركد فيه الماء ولم يبرح.
وكان للصهريج حارس؛ رجلٌ يجلس على حافته الحجرية، واضعاً رمحه عَرْضاً على ركبتيه، وطاسٌ من نحاس عند قدمه، ومن ورائه فم البئر، بحبلها ودلوها الجلديّ المتدلي في العتمة. لم يكن من أهل الركب ولم يكن يهابهم. كانت خيامه قائمة على ناحية، واطئة وبُنيّة، ولإبله أسنمة امتلأت بشحم المرعى الطيب.
تقدم الركبان أولاً، ودفعوا. ثم تقدم من كان يملك ما يدفع به. أخذ الحارس نَقداً، وقماشاً، وخنجراً بنصابٍ من قرن، وكان يكيل الماء بالطاس ولا يملأه. لم يُجادله أحد؛ فلا جدال عند بئر، بل هو الثمن ولا شيء غيره.
ثم تقدم زكريا، ولم يكن واقفاً في الصف أصلاً.
كان الخاتم الذي في يده لشيرين، من بيت أبيها، قبل أن تُجدب السنون: فضة دَقّت حلقتها من البِلى، وحجر أخضر مفلطح مستقرّ بين أربعة مخالب. كانت كل خيمة في الركب تعرفه، ولم يره أحدٌ قط ينظر إليه.
وضعه في كف الحارس. قلّبه الحارس، ووزنه بيده، وعضّ طرف الفضة، ونظر إلى الحجر لحظةً كما ينظر الرجل إلى ما لا حاجة له به. ثم غرف بالطاس وصبّ فيه إلى ثلثيه لا غير، فأخذه زكريا بكلتا يديه.
لم يشرب منه. بل حمله بحذر، متفادياً الحجارة في مشيته بدلاً من أن يتخطاها، إلى ظل الأحمال حيث تجلس شيرين، فمدّه إليها، فشربته حتى آخر قطرة رقيقة في قاعه، وهو واقفٌ فوق رأسها ويداه فارغتان.
ضحك الحارس، وقال إن الخاتم لم يشترِ سوى فم امرأة، وإن الرجل ينبغي أن يكون أعقل من أن يبادل الفضة بما تبتلعه نفسٌ أخرى.
أما شمعون فلم يتحرك قيد أنملة طوال ذلك. كان واقفاً عاقداً ذراعيه، متكئاً على أحد جانبيه، يرقب الطاس وهو ينتقل من يد الحارس إلى يد أبيه ثم إلى يد أمه، وحين انقضى الضحك قال، بهدوء وبصوتٍ سمعه أقرب الرجال إليه: «أسنانها أطيب من هذا الحجر، وأبوي هو الكسبان في البيعة».
لم يضحك أحد. كان هذا كل ما في الأمر؛ لم يضحك أحد، وأمسك الحارس عن ضحكه، ونظر زكريا إلى ابنه عبر المضرب بوجهٍ جامد صبور، وجه رجلٍ سمع هذه النبرة من قبل ولم يبقَ عنده ما يرد به عليها.
وقد روى لي بقيته بعد ذلك، حين صارت الأوراق في حوزته، بذلك الصوت الهادئ الذي يتحدث به المرء عن يومٍ نجا منه وانقضى. أناخ الركب تلك الليلة بقِرَبٍ يابسة وجرعة ماء لكل امرئ، وأُخرج سجلّ الماء، فما رضي أحدٌ أن يمد إليه يداً. فالرجل الذي تولى القيد كان قد نال أجرته من فضة رجلٍ آخر، والرجال الذين وقفوا على مقربةٍ وسمعوا، إما أنهم ضحكوا أو لم يضحكوا، وفي الحالتين أبوا أن يكتبوا شيئاً.
فكتبه هو بنفسه. خاتم فضة، حجر أخضر مفلطح، أربعة مخالب، حلقة رقيقة أكلها البِلى. طاس واحد، ممتلئ إلى ثلثيه. دُفع عند صهريج الصخر الأسود في الظهيرة. لم يُثبت النكتة، بل أثبت الثمن، وحيث يسأل السجل عمن دفع، كتب: زكريا بن أروب، وتحتها اسم المرأة، شيرين، في مساحةٍ أضيق، لأن ما دُفع ثمنه فهو لمن شربه.
وحيث يسأل السجل عمن شهد، ترك السطر أبيض.
وحين فرغ من حديثه، أدار القدح في يده بُرهة وقال: «أبي سينسى مع ثاني بئر، أما أمي فلا والله. ولا بد لأحدهما أن يقدر على الرجوع إليه ليرى وش كلّفها».
وقد دوّنتُ ذلك أيضاً، بخط يدي، تحت خط يده؛ لأن الأمر الذي لم يشهده أحد يظل في حاجةٍ إلى سطر ثانٍ تحته.