Chapter 4 · تحت الغطاء
لا ينحدر الرعد عن ذلك الجبل، بل يظل ممتداً على طول الحافة ويدور كما تدور الرحى؛ وكلما دار، فرّجت الماعز بين قوائمها، وحُمِلت السخال إلى الداخل تحت أطناب الخيام.
مع صبيحة اليوم الرابع، كنتُ قد خبرتُ شأن ذلك الجبل؛ لم يكن يريدنا قربه.
كنا مقيمين عند آبارنا منذ الليلة التي هبطت فيها الغمامة واستوت على تلك الحافة كأنها غطاء؛ خيامنا، وماعزنا، وماؤنا، والصخر الأسود الشاخص هناك وراء السبخات، على مسيرة نصف يوم ليس لنا أن نطأ منها موطئ قدم. والخيام الأولى التي ضُربت عند الطرف الشرقي، قُوّضت وجُرّت إلى الوراء مقدار رمية قوس، ثم رُمية أخرى. وبات المضرب الآن ممتداً في نصف حلقة واسعة، والماء يُحصى مرتين في اليوم: بعد سقي الماعز، ومرة أخرى عند ذبول الضوء. وكنت أنا من يكتب ذلك الإحصاء في العمود الثاني، بخط يدي؛ لأن أبي عابراً يقول إن الحساب الذي يبقى في رأس الرجل يموت بموته.
كل ما بلغنا عن ذلك الجبل جاءنا سماعاً؛ حادٍ بجمل أعرج، وغلام أُرسل شرقاً بثلاث نعاج فعاد من غيرها ومن غير خبر. وكان أبي يُنزل كل قادم من تلك الناحية عند طرف نصف الحلقة ولا يُمكّنه من وسطها؛ إذ كان يقول إن المضرب الذي يذهب ليتلصص على مضرب آخر يعود محملاً ببلاياه.
ولم ينبس أحد في نصف الحلقة بما صعد الرجل إلى ذلك الجبل لينزل به. كان أبي قد قطع القول في ذلك منذ اليوم الثاني، وما عاد بعده إلا الحساب، وعيون تختلس النظر شرقاً متى ظنت ألا أحد يراها.
عاد الرعد يدور فوقنا من جديد، وركد الهواء تماماً.
هذه المرة، نزل الرعد. ضرب في موضع ما خلف الحافة، وجاء دوِيّه متأخراً بمقدار نفَس، فانبتّ طنب خيمة كأنه سوط وهوى العمود، وفزعت الماعز في نصف الحلقة كلها دفعة واحدة. نهض أبي قبل أن يصل إلينا الغبار؛ وضع يده على عمود خيمة المؤونة وثبّت قامته معه حتى سكن اهتزازه، وتلاحق الرجال واحداً تلو الآخر ووقفوا معه، ولم ينبس أحد بكلمة، إذ لا قول يُقال في حضرة الرعد.
دوّنتُ الساعة، ولم أدوّن ما خطر لي بشأنها.
«ثبتت العُمُد»، قالها أبي أخيراً.
«ثبتت العُمُد»، قلتُها وكتبتُ ذلك.
رجع بمحاذاة الصف ووقف حيث كنتُ أجلس والدفتر مفتوح على ركبتي، وقلب الصفحة بإصبعه وتأمل ظهرها، كأنه يخشى أن يكون الحبر قد نفذ منها.
قال: «دوّنتَ الحساب مرتين.»
«دوّنتُ حساب الصباح وحساب المساء؛ وليسا سواء.»
«كتبتَ الصباح قبل أن تسرح الماعز.»
«نعم، فالصباح هو كل ما نملكه.»
أفلت الورقة: «إذن بات في الصفحة قبلٌ وبعد. دعها هكذا.»
عند الطرف الأقصى لنصف الحلقة، وراء آخر النيران، جلس الرجال محتبين ولم ينهضوا حين انحدر الرعد. كان كل من في نصف الحلقة يترقب رقماً؛ وهو الأمر الوحيد الذي خبرنا جميعاً كيف ننتظره.
عاد الرعد يمضي على طول الحافة، أبعد هذه المرة. دوّنتُ الساعة، ثم أطبقتُ الدفتر وأمسكتُ به بكلتا يدي؛ فقد هبت الريح والصفحة بكر، والصفحة الجديدة تقبل أي أثر يُخطّ عليها.