رجوع

الإشعار المغلق

0%

Chapter 1 · الليلة يظل مغلقاً

الإشعار المغلق Chapter 1

كانت رائحة العود والهيل تفوح في المجلس، وكل كرسيّ فيه قد أُدير ليكون في مواجهتي.

أبقيتُ عباءتي محكمة الإغلاق عند نحري وشيلتي في موضعها، وصببتُ القهوة بنفسي؛ فالمرأة التي تدع الخادمة تصبّ تكون قد خسرت الجدال سلفاً. مالت الدلّة، فارتفع الفنجان ممتلئاً إلى نصفه. تناوله عمّي بيمينه ولم يشرب.

كان الإشعار ملقى على السجّاد بيننا، مطوياً مرتين، ومختوماً بختم العائلة. ورقة رمادية، كُتب اسمي بالحبر على وجهها بخط شخصٍ تأنّى في كتابته.

قال عمّي: «افتحيه هنا، الآن، أمام الجميع. دعيهم يسمعون ما فيه من فمكِ أنتِ».

وافقه المجلس دون كلمة واحدة؛ هكذا جرت العادة. خمسون رجلاً بثيابهم البيضاء دون أن يحتاج حلقٌ واحد إلى أن يتحرك.

وضعتُ الدلّة ومددتُ يدي.

انفتح الباب بلا صوت. دخل فيصل من الممر الشمالي وبشته لا يزال مستوياً على منكبيه، وما كاد يخطو ثلاث خطوات إلى الداخل حتى نهض الجالسون في الكراسي الجانبية. لم يسلّم على أهل المجلس، بل خطا نحو الوسط، حيث تُرِك له مقعد الصدر شاغراً منذ زمن، ووقف هناك دون أن يجلس فيه.

الهيبة. تلك هي الكلمة؛ رجلٌ لا يحتاج إلى رفع صوته.

نظر إلى الإشعار، ثم التفت إلى عمّي وابتسم، وكانت ابتسامته تلك أشدّ وطأةً من أي كلام كان بوسعه أن يقوله.

قال: «تريد أن يُقرأ علناً؟ خلاص، سيُقرأ... غداً».

انحنى والتقط الورقة المختومة بين إصبعين، ثم أعاد وضعها عند قدميّ.

وقال: «الليلة، ستبقى مغلقة».

تجمّد فنجان عمّي في منتصف الطريق إلى فمه.

دارت مسبحة فيصل دورةً واحدة حول معصمه، وترك الختم سليماً لم يمسّه.

كان المجلس ينتظر مني أن أحتكم للعقل؛ ولم أكن يوماً متعقّلة في ذلك البيت، ولم يكلّفني ذلك شيئاً أعجز عن تعويضه.

وضع عمّي الفنجان على السجّاد بجانب ركبته، وليس هذا بالموضع الذي يُوضع فيه الفنجان.

قال: «أحدثتِ جلبة أمام رجال ما جاؤوا هنا إلا ليعينوكِ».

قلتُ: «لم أُحدث شيئاً؛ فالورقة جاءت إليّ، ولستُ من طلبها».

«اسمكِ مكتوب عليها».

«اسمي على أوراق كثيرة، اسمي على عقد المياه، وعلى رخصة المدرسة، وعلى الصفحة الثانية من الوقف، ولم يسبق لأحد أن طلب مني قراءتها جهراً في الرابعة عصراً».

ضحك أحد الرجال القريبين من الباب ثم حوّل ضحكته إلى سعلة. سيدفع ثمن تلك السعلة هذا الأسبوع، بأمرٍ صغير يستغرق منه عاماً كاملاً ليدرك أنني كنت وراءه؛ فهذا هو النوع الوحيد من الحسابات الذي أتقنه.

فتح الأستاذ القادم من مكتب العائلة نظارته ووضعها على عينيه، بتأنٍّ وتؤدة، كمن يريد لأهل المجلس أن يلاحظوا أنه على وشك توخي الحذر.

قال عمّي دون أن ينظر إليه: «يا أستاذ، اشرح لها ما يعنيه الإشعار المغلق».

قال الأستاذ: «يعني أن المهلة تسري، ويعني أن الأمر قائمٌ وسارٍ سواء كُسر الختم أم لم يُكسر. ويعني...»

قاطعه فيصل من وسط المجلس: «يعني... أن الختم من شأنها وحدها».

لم يكن قد جلس بعد، ولم يتصدّر في مقعد الصدر الذي ظل خالياً من أجله منذ القدم، وكان فراغ ذلك المقعد يفعل في النفوس ما يعجز عنه أي جالسٍ فيه. كان في الثلاثين من عمره، وكان نصف الرجال في ذلك المجلس يعرفون أباه، ولم يجرؤ أحدٌ منهم بعدُ على أن يرتاح في جلسته.

قال عمّي: «الختم ختم العائلة».

وافقه فيصل: «ختم العائلة، على ورقتها، وعلى اسمها. تفتحه أو لا تفتحه، هذا شأنها. بوسعك أن تسألها هي، لكن ليس من حقك أن تستفتي المجلس».

«وتتحدث بالنيابة عنها الآن؟»

قال فيصل: «لم أنطق بحرفٍ واحد عنها؛ ها هي جالسة أمامك، اسألها».

ساد صمتٌ له ثقلٌ وملمس. خمسون رجلاً بثيابهم البيضاء، وريح العود لا تزال عالقة في السجّاد، والقهوة تبرد في أيدي عشرين رجلاً، وعيونهم جميعاً شاخصة نحو الورقة الرمادية الملقاة على الأرض بين قدميّ وركبة عمّي.

رفعتُ الفنجان ثانيةً وأمسكتُ به؛ ممتلئاً إلى نصفه، يبرد رويداً، وركوة الهيل ترسب في قعره. فالمرأة التي تشغل يديها لا يقدر أحدٌ على اتهامها بالارتجاف.

قلتُ: «يا عمّي، تريد مني أن أفتحه ليكون كل ما فيه كلاماً سمعه المجلس من فمي مباشرة، لا كلاماً نقله مراسلٌ إلى محامٍ. أفهم مناورتك هذه، وهي مناورة بارعة؛ المناورة ذاتها التي استخدمتها مع أمي».

تحرّك فكّه بحركة واحدة.

تابعتُ: «لكنني أنا من يمسك بالورقة، ولذلك فالجواب: لا».

«إذن ستُقرأ غداً في مكان لا تجلسين فيه».

قال فيصل: «غداً ستُقرأ، هذا ما قلته، لكني لم أقل على يد من، ولا أين. خلاص». أدار معصمه فدارت المسبحة دورةً واحدة واستقرّت: «الوقت تأخر، والقهوة فرغت، وانتهى أمرنا في هذا المجلس».

ما كان لأحد أن يجادل في انفضاض المجلس؛ فما وُضعت الكراسي لذلك.

قام عمّي أولاً، فهو أكبر إخوة أبي، وللسنين حقّها وتوقيرها قبل أن يكون للعقل والمنطق. ثم نهض أصحاب الكراسي الجانبية بالترتيب، كما ينحسر الماء عن المكان. طوى الأستاذ نظارته. ومشى الرجل الذي سعل مارّاً بي دون أن يلتفت إليّ، فتركته يمضي، ودوّنتُ اسمه في ذلك الموضع من رأسي حيث أحفظ الحسابات الصغيرة.

عند الباب، توقف عمّي وقال دون أن يلتفت: «كان أبوكِ سيفتحها».

قلتُ: «أبي كان سيحرقها ويصفي الحساب قبل الفجر، وأنت أدرى بذلك مني؛ فأنت من دفنه».

فخرج.

كان آخر الخارجين فيصل، فذلك من أصول الأوجب؛ فراعي المجلس إما أن يخرج آخراً أو يخرج أولاً، وفي ذلك البيت كان المعنيان يؤولان دوماً إلى أمرٍ واحد. تجاوزني ماراً بالمسافة التي يفرضها حياء المجلس، بشتُه مستوٍ على كتفيه، وياقة ثوبه مزمومة، ويداه حيث ينبغي أن تكون اليدان. لم يطأطئ بصره نحو الورقة، ولم يلتفت إليّ.

وعند العتبة، قال بصوتٍ خفيض وجّهه نحو الممر لا إلى داخل الغرفة: «يبقى مغلقاً. ليس هذا تفضلاً مني، فلا تشكريني عليه.»

«ما كنتُ لأفعل.»

فقال: «أعلم ذلك،» ثم ابتلعه الباب.

أُشعلت المصابيح حيث كان وضح النهار. ودخلت الخادمة تجمع الفناجيل، فتركتها وشأنها؛ فقد انقضى الجدال ولم يعد ثمّة ما أظفر به إن صببتُ قهوتي بنفسي.

كان الإشعار ملقىً على السجاد، مطوياً طيتين، وختمه لم يُفضّ. اسمي خُطّ بالحبر على ظهره، بيمين من تأنّى في رسمه.

لم ألتقطه. وطالما فكّرتُ في ذلك بعدئذ؛ كان بوسعي أن أحمله إلى غرفتي وأخلو به وحدي، ودون أن يعلم أحد في الرياض بما فيه. غير أن ورقةً تُطرح عند قدمي امرأةٍ على مرأى من خمسين رجلاً، لا تصبح ملكاً لها حتى ترضى بأن يراها الناس وهي ترفعها.

لذا تركتُه حيث وضعه، وخرجتُ عبر ممر النساء بعباءةٍ مشدودة عند النحر وشيلةٍ في موضعها المحتشم، وخلفي استقر الختم على الورقة الرمادية في آخر خيوط الضوء، يؤدي الأمر الوحيد الذي رجوته منه طوال ذلك العصر.

أن يظلّ موصداً.