Chapter 2 · حكمٌ هيّن
أرسلوا في طلبي في اليوم الرابع، في تلك الساعة التي يعلو فيها صوت القهوة في البيت ويخفت فيها الكلام.
دخلتُ من ممر النساء، عباءتي مزمومة عند النحر وشيلتي في موضعها المحكم، وعند طرف السجاد، حيث تنتهي نقوش الزهور وتستحيل خطوطاً مستقيمة ممتدة، خلعتُ حذائي وتركته مكانه وتابعتُ مشيي بجوربيّ. فالمرأة التي تخطو إلى وسط ذلك المجلس تكون قد وافقت على أمرٍ ما سلفاً، وأنا لم أكن قد وافقتُ على شيء.
كان المجلس غاصّاً بالحضور. عشرون رجلاً لا خمسون—لكنهم العشرون الذين يُصغى إليهم إن تنحنحوا. كانت النوافذ موصدة في وجه هجير الظهيرة، وكان البخور قد دار مرتين، ورائحة العود فيه ثقيلة نفاذة، وتلك أمارة تدلّ على أن ثمة من أراد للمجلس أن يكون مهيباً حاسماً.
لم يكن الإشعار على السجاد؛ إذ رفعه أحدهم عن الصوف الرمادي ووضعه مستوياً على الطاولة النحاسية المنخفضة، محاذياً لحافتها بدقة كأنه صينية، وكان الختم عليه لا يزال سليماً لم يُمَسّ.
كانت يد أبي فهد مبسوطة فوق النحاس، مفرّقة الأصابع، بالطريقة التي تستريح بها يد الرجل حين يفرغ لتوه من تدبير أمر.
قال: «ليلى... الشمع».
قالها بلين. هكذا تجري الأمور دائماً، بلين؛ تُلفّ العبارة وتُسوّى قبل أن تُلقى إليكِ، كي لا يسعكِ لاحقاً أن تقولي إن صوتاً ارتفع عليكِ.
تحلحل أحد الشبّان على السجاد ليفسح لي مكاناً عند طرفه. لم آخذ المكان؛ فالجلوس حُكمٌ يختلف عن الوقوف، ولم أكن قد قررتُ بعد أيّ الحُكمين أنا ماضية في قضائه.
نظرتُ إلى الختم بدلاً من ذلك. كان أحمر، وتحته اسمي بخطٍ كُتب على مهل، وبحبرٍ تُرك ليجف تماماً قبل أن يُطوى المظروف. ثمة من تأنّى وتجمّل في حقي، ولم أجد في ذلك ما يبعث على الطمأنينة.
قلت: «إن فضضتُه... فمن يقرؤه؟»
«من كان في المجلس». أدار أبو فهد فنجانه ربع دورة فوق النحاس، ثم أردف: «هكذا تجري العادة».
«هكذا تجري العادة مع ورقة كُتبت لأهل المجلس. أما هذه فموجهة لي».
عند أقصى طرف النقش تحلحل رجل، فأحدث الصوف حفيفاً. دار فنجان وعاد دون أن يُمَسّ. والهواء فوق الطاولة النحاسية كان يحمل ذلك الطعم الراكد الثقيل الذي يسبق قطع الأمر.
قال أبو فهد: «ما في هذا المجلس من هو ضدك».
«إذاً يحتمل الانتظار».
رأيتُ وقع كلماتي يستقر فيهم. صوّب الكبار أنظارهم نحو الطاولة لا نحو بعضهم، وتلك نظرة الشيوخ حين تخيب الإجابة التي تهيؤوا لها.
جرّب الباب الآخر، ذلك الذي تقف خلفه متاع الدنيا: «لكِ في هذه العائلة تدابير رُتّبت لأجلكِ، وما رُتّب يمكن نقضه. البيت، والسيارة، والبطاقة التي في محفظتكِ، والاسم المكتوب في الصك... كل هذا قرار اتُّخذ في مجلس كهذا، ويمكن أن يُتخذ مجدداً».
قلت: «انقضوها إذاً. اقرأ القائمة بصوتٍ عالٍ ليسمعها الجالسون في الخلف أيضاً. ستبقى الورقة بحاجة إلى يدي».
نطق أحد الجالسين في الصدر اسمي بنبرة التحذير، تلك التي يُراد بها إظهار اللطف. تركتُها تمضي دون أن ألتفت إليها؛ فبهذه النبرة يخاطبونني منذ كنت في التاسعة عشرة، وما كانت يوماً من اللطف في شيء.
وتابعتُ: «إن فضضتُ الشمع هنا، كانت قراءته حقاً لهذا المجلس. وهذا المجلس يدوّن؛ سيُسجَّل في دفتر، والدفتر ليس لي، وبعدها لن يعود في تلك الصفحة شيءٌ ملكاً لي—لا التاريخ، ولا السبب، ولا كلمة واحدة مما قلته حين سمعته. أما إن فضضتُه في غرفتي، فكل ما فيه يظل لي. ولستُ بمفرّطة في الشيء الوحيد الذي أملكه على تلك الطاولة».
أسند أبو فهد ظهره إلى الوراء. ليس بالرجل الغبي، وتلك هي المعضلة معه. سمع الحسبة، وعاد يحسبها من جديد لصالحه.
دخلت الدلّة على صينيتها.
توجّه القهوجي إلى أبي فهد أولاً، وصبّ من علوٍ فتكسّرت القهوة ثم ركدت، وما جاوز بالصبّ نصف الفنجان، فتناوله أبو فهد بيمينه، وكان التمر مرصوصاً عند حافة الصينية حيث يكون دائماً. ثم دار على المجلس، من اليمين إلى اليسار، بالترتيب الذي تواضع عليه أهل المجلس دون أن يتفقوا عليه قط.
كان فيصل المطيري قد أخذ مكانه عند أقصى طرف النقش. متجاوزاً موضعي، قرب الباب حيث يجلس صغار القوم وتصلهم القهوة في آخر المطاف. ورجلٌ في مكانته كان الصدر ليفسح له دون أن يطلب.
وهكذا بلغني الفنجان قبله.
لم يكلّفه ذلك شيئاً، لكنه أبلغ المجلس كل شيء. شرب آخر القوم، ثم هزّ فنجانه هزّة واحدة فكفّ القهوجي عن الصبّ، ولم تُقل كلمة واحدة يستطيع أحدٌ أن يتناقلها بعد ذلك وهو على يقين منها.
فطن أبو فهد لذلك أيضاً؛ فهو يقرأ المجالس خير مما يقرأ الأوراق.
قال: «غداً، إذاً».
«وغداً سيكون الشمع كما هو الليلة».
خرجتُ من حيث أتيت، وعند طرف السجاد أعدتُ قدميّ إلى حذائي، وفيما كنت أفعل ذلك—يدٌ تستند إلى الجدار وقدمٌ مرفوعة في هيئة تخلو من أي هيبة—انطلق صوته من ورائي، متئداً، رخيماً، بدرجة الصوت المحسوبة تماماً التي تبلغ مداها:
«يا سيّدتي».
لم تكن مجاملة، بل منزلة وُضعت أمام مجلسٍ ملؤه الرجال الذين قيل لهم للتو ما كانت دورة القهوة قد أبلغتهم به سلفاً. لم ألتفت؛ فالالتفات كان ليجعل من الموقف مشهداً، وهو لم يشأ له أن يكون كذلك.
خلفي، كان الختم رابضاً على النحاس في بقايا ضوء النهار، يؤدي الأمر الوحيد الذي رجوته منه طوال تلك العشية.
كانت هناء في الغرفة البعيدة، تجادل أحدهم على قلم تلوين. كانت حجتها حاضرة مكتملة، وتكسب الجدال بعلو صوتها لا أكثر، وحين دخلتُ وجلستُ على الأرض إلى جوارها سكتت، ونظرتْ إلى يديّ.
«ليش يديك باردة؟»
«المجلس كان بارداً»، هكذا قلتُ.
لكنه لم يكن كذلك.
عادت إلى قلم التلوين. جلستُ هناك على السجادة بعباءتي، وقد خلعتُ حذائي مجدداً وأسندتُ ظهري إلى الجدار، وأنا أفكر في اليوم الرابع، وفي الشمع، وفي حقيقة أن أبا فهد قال «غداً» مرتين في ظهيرة واحدة، دون أن يذكر ولو لمرة ما الذي سيفعله إن مضى الغد كما مضى اليوم.
تلك هي ميزة الإشعار حين يظل مختوماً؛ إنه يحتفظ بقيمته. فكل يوم يمرّ دون أن أفتحه، كان يغدو أثمن مما كان عليه في اليوم السابق، وكان كل رجل في ذلك المجلس يعلم ذلك، والوحيدة التي كان بمقدورها صرفه هي أنا.