Chapter 3 · أكثر من مجرد قهوة
تركتُ هناء مع رسوماتها في الممر الداخلي، وعدتُ إلى المجلس الذي أُعيد ترتيبه خلال الدقائق التي غبتُ فيها.
كانت الورقة تستقر على طاولة النحاس المنخفضة بين أواني القهوة وصحن التمر. ثمة من حاذى أطرافها بعناية مع حافة الصينية: طيّة واحدة، وختم لم يُفضّ بعد. وفي هذا البيت الرياضي، لا يُوضع ظرف بمثل هذه الدقة إلا حين يكون مقصوداً ليدين اثنتين بعينهما، وتحت أنظار الشهود.
جلس أبو فهد في صدر المجلس، وعصاه مسجاة فوق ركبتيه. وجلس فيصل على بُعد وسادتين منه، بثوب أبيض ناصع دون بشت، وغترته مسدولة ببساطة، لا ينظر إلى كبير القوم ولا إلى المدخل، بل إلى الختم الشمعي على الورقة.
كان العود يخبو في المبخرة، وشذاه الزكي يعلق بالسجاد الثقيل، ليزيد الصمت كثافة بترقّب لم يجرؤ أحد على البوح به بعد.
دخل المقهوي والدلة في يده اليسرى، فصبّ الفنجان إلى النصف، ومده نحوي وظل واقفاً في مكانه.
«يعطيك العافية»، قلتها بصوت خافت.
أمال رأسه احتراماً، لكن ذراعه ظلت ممدودة.
ولكي أتناول الفنجان الخزفي، كان لا بد لأصابعي أن تمرّ فوق الإشعار المغلق المستقر على الصينية. وكان كل مسنّ جالس في أرجاء المجلس سيفسر مدّ يدي على أنه إقرار بما تحته. أبقيتُ يديّ مضمومتين تحت سواد عبايتي المسدولة، مستندتين إلى خاصرتي، وقابلتُ نظرات أبي فهد.
«فنجان القهوة ليس التزاماً يا ليلى»، قال أبو فهد بنبرة جافة ومحسوبة.
«ما في هذا المجلس شيء على ظاهره يا عمي»، أجبته بثبات، «ولهذا تقتضي ورقة واحدة هنا تدقيقاً يدوم أربعة أيام».
أطلق شاب جالس قرب القوس زفرة مباغتة، ثم تدارك نفسه وسوّى كُمّيه ليلزم السكون.
لم يتردد المقهوي؛ كان يؤدي واجبه، حائراً بين كرم الضيافة والأصول، بينما استقر توتر المجلس برمته على يده الممدودة.
«افضّي الختم هنا»، أمر أبو فهد، وهو ينقر بعصاه نقرة واحدة، «أمام رجال بيتك، هذه الليلة، وينتهي النزاع».
«أنت تسيء تقدير المجازفة»، أجبته وأنا أحافظ على وقفتي الساكنة تماماً، «لا ينتهي الأمر إلا إذا جرى التنازل عنه علناً. وسيظل قائماً ما دام مغلقاً».
لم ينبس فيصل ببنت شفة منذ دخلتُ. ودون أن يرفع عينيه أو صوته، وبنبرة خالية من الانفعال لا تلين، خاطب الخادم: «نزّله».
التفت المقهوي نحو أبي فهد، فاكتفى أبو فهد بتحويل نظره صوب سواتر الفناء. وضع المقهوي الفنجان إلى جوار صحن التمر وتراجع دون أن يستدير إلى الخلف.
لم يصدر أي رفض صريح يمكن أن يُنقل خارج أسوارنا، ومع ذلك بردت القهوة على صينية النحاس دون أن تمسّها يد، وكان كل رجل حاضر قد أدرك بأمرِ مَن صُرفت.
لم يضف أبو فهد شيئاً عن الفجر أو عن مرسال المحكمة. كان العصر قد انسلّ، وثقل يوم آخر لم يُحسم أمال كفة الميزان داخل القاعة.
ظلت الورقة دون أن تُمسّ بين الأواني الفضية، مختومة لم تُقرأ، وأدرك المجلس أن صمتها هذا يخصني أنا وفيصلاً دون سوانا.