Chapter 4 · أصول الفنجان
جاء الرجل الحربي في الساعة الثالثة، حين كان بياض الظهيرة يغمر الفناء، وقبل أن يُكنس المجلس لاستقبال الزوار.
لم يكن الكاتب الذي وعدت به الرسالة؛ فقد سمّت الرسالة كاتباً من قلم السجل. أمّا هذا الرجل فقد أقبل في ثوب أبيض ناصع أُغلقت ياقته حتى النحر، ومشى خلفه رجلان من العائلة حتى حافة السجاد، حيث خلعا نعليهما ووقفا.
وكان فيصل في صدر المجلس بالفعل. لم ينهض، ولم يكن أحد ليتوقع منه ذلك؛ فقد استقر المجلس وترتّب حول ذلك المسند قبل أن تدخل القهوة.
ترك أبو فهد الزائر واقفاً أطول ممّا تقتضيه الأصول بمقدار نَفَس واحد، ثم أشار بإصبعين نحو المسند في أقصى المجلس.
قاس الزائر المسافة بعينيه قبل أن يقطعها، وقاسها معه كل من في المجلس.
أقبل المقهوي بالدلة وصبّ من علو، فملأ الفنجال دون نصفه. ذهب الفنجال الأول إلى صدر المجلس، فتناوله فيصل بيمناه، وأمسكه برهة دون أن يذوقه، ثم رفع إصبعين من اليد ذاتها.
التفت المقهوي وحمل الفنجال الثاني إليّ.
رمق الحربي الفنجال وهو يمرّ من أمامه ولم ينبس ببنت شفة. لقد أُجلس، لكنه لم يُعطَ دور الفنجال، وترتيب القهوة أقدم من أي إشعار.
قال أبو فهد: «اقرأ ما عندك».
أخرج الزائر من ثوبه ورقة مطوية، لا تلك الورقة المختومة الموضوعة على الصينية. بسطها بكلتا يديه وقرأ:
«إشعار قيد: 4، 1، 7، 9، 2، 6».
أعاد قراءته ثانية، السطر بأكمله، بالحرص ذاته على كل رقم، كي لا يدّعي أحد في المجلس لاحقاً أنه أخطأ السمع. ثم أنزل الورقة دون أن يطويها.
وقال: «تطلب العائلة بياناً بالمخالصة المقيّدة باسمها. في هذا المجلس. وأمام الشهود. قبل أن يُفضّ الإشعار».
قلت: «المخالصة مقيّدة حيث قُيّدت، لم تتزحزح ولم يطرأ عليها تعديل».
«والبيان ليس تعديلاً».
«إذاً يُطلب في الحجرة التي وُقّع فيها القيد، ومن اليد التي وقّعته».
مرر الزائر إبهامه على طيّة الورقة مسوّياً إياها، كما يسوّي المرء شيئاً ينوي استخدامه ثانية بعد حين.
قال: «الإشعار مسجّل بحق الاسم. والاسم الذي يقدّم بيانه يكون قد استُوثق منه ويمكن الدفاع عنه، أما الاسم الذي يأبى، فلديه ما لم يطّلع عليه قلم السجل».
شكرته على القراءة. وقلت إنني قلّما سمعت رقماً يُتلى بمثل هذه العناية، وإن العائلة لمحفوظة الحظ برجل يستطيع النطق به مرتين دون أن يتعثر لسانه. لم يضحك المجلس، غير أن أحد الرجلين عند طرف السجادة أطرق ناظراً إلى نعليه، وكان ذلك كافياً.
قال الزائر: «يا سيدتي»، مستخدماً الكلمة كغطاء يُحكم إطباقه لا كضرب من أصول اللياقة، «الإشعار سيُفضّ».
فسألته: «الليلة؟»
«ليس هذا من شأني».
«إذاً لم يكن من شأنك أن تتلوه عليّ ثانية».
خلفي، حكّ كمّ أحد الخدم إطار الباب، ثم سكن، وظل ساكناً. وكان البخور قد احترق حتى آخر دخانه، وشعرت برائحته تذوي وتجف، عودٌ يستحيل إلى خشب.
أنزل فيصل الفنجال. أحدث النحاس رنّة خفيفة على الصينية، وبعدها لم يكن المجلس هادئاً، بل مشدود الأنفاس.
قال: «هو باسمها. وذلك هو السجل كله. وما عداه فليس إلا رجلاً يقرأ بصوتٍ عالٍ».
أمال الزائر رأسه، ولم تكن إمالته تلك إقراراً، بل كانت أداءً لأدب يفي به المرء قبل أن يحمل الأمر إلى من أرسلوه.
قال: «يا أبا فهد، ستسأل العائلة ثانية».
قال أبو فهد: «متى؟»
قال فيصل: «إن شاء الله، حين تردّ هي عليهم».
قالها بالنبرة ذاتها التي يذكر بها ثمن حاجة قد اشتراها وانتهى أمرها.
طوى الزائر ورقته أخيراً ودسّها في ثوبه. ثم نهض، فتقدّم الرجلان عند حافة السجاد إلى نعليهما. لم يُشيّعه أحد إلى ما بعد القوس الثاني. ومضى المقهوي إلى الباب في إثرهم وردّه بكلتا يديه، على مهل، حتى يسمع المجلس كله كم كانت حركته خالية من أي عجلة.
وظلت الورقة المختومة مستقرّة حيث كانت طوال الظهيرة، على صينية النحاس بين دِلال الفضة، والتمر عند حافة الفنجال لم تمسسه يد.
ولم يتحرك أحد ليرفعها؛ لا المقهوي، ولا أبو فهد، وبالتأكيد لست أنا.
والرقم الذي يُنطق به مرتين في مجلس لا يبقى سراً حتى يهبط الليل. وبحلول المساء سيكون الخبر قد بلغ رجال آل حرب من ثلاث جهات، وكل رواية ستصل وفيها زيادة طفيفة، وتلك الزيادات هي بيت القصيد. غير أن المخالصة بقيت كما هي، مقيّدة باسمي دون تعديل، وقد سمع المجلس راعيها يؤكد ذلك في صدره.
كان ذلك هو البيان الوحيد الذي عولتُ على تقديمه. وقد قدّمته حين تركتُ الورقة مغلقة.