Chapter 1 · الشاهد الأخير
حسم المجلس أمره قبل أن أعبر العتبة. طلال الزهراني انتهى أمره. نطقوا بالكلمة بهدوء رجالٍ راجعوا الدفاتر مرتين وخرجوا بالحساب نفسه في كلتيهما.
أحكمتُ لَفَّ عباءتي وتثبيت شيلتي في موضعها. كانت تفوح في المجلس رائحة العود والصبر. رجلٌ لا أعرفه صبّ من الدلّة رافعاً يده، فملأ الفنجان إلى ما دون نصفه، ثم مدّه بيمينه، فتناولته بيميني.
«لم يعد يطلب»، قال، «بل يتلقّى».
ظلّ التمر عند حافة الفنجان دون أن يُمسّ. وعند صدر المجلس تعالت ضحكة أحدهم، لكن صداها مات في موضعه. نظر اثنان منهم إليّ ثم أشاحا بنظريهما؛ فقد كنتُ الشاهدة التي توافقوا عليها.
مشى عمّي أمامي في الممرّ ثم وقف. لم يخطُ خطوةً أبعد من ذلك. هكذا كان الاتفاق، وحافظ عليه كما يحافظ المرء على جدار؛ دون أن يلمسه.
كان باب الجناح الخاص مفتوحاً. في الداخل ضوء سراجٍ خافت، لا بريق ثريا. تدلّت سبحةٌ من يدٍ لم أرَ صاحبها بعد، تنفرط حباتها بتمهّل، واحدةً تلو الأخرى، كأن لصاحب اليد ليلَ العالم بأسره ولا يملك سبباً لتبديده.
ثم توقفت اليد.
«ادخلي يا مريم»، قال.
جيء بي لأشهد نهايةً، وما زلتُ أبحث عنها.
كانت أصابعي دافئةً من حرارة الفنجان. اكتفيتُ بالنظر إلى كُمِّه؛ كتان أبيض تستند عليه حبة سبحة داكنة، ولم أردّ بعد.
لم يكررها ثانيةً.
كان ذلك كل ما في الأمر، واستغرقني فهم ما جرى لحظة؛ فقد رأيتُ لتوّي حُجّة المجلس تتداعى أمام عيني دون أن يكون مقصوداً لي أن ألحظ ذلك. الرجل المنتهي يبرر لنفسه، ويرفع صوته ليسمعه الممرّ ويتيقّن من وجوده، أمّا هذا فلم يطلب إلا مرةً واحدة، وترك للمصباح وحبات السبحة إتمام الباقي.
خلفي، سكن عمّي كما يسكن رجلٌ رُسم له حدٌّ وعزم على ألا يتعدّاه.
«يا أستاذ»، قلتُ، «الورقة لم تُوقَّع بعد».
«لم تُوقَّع».
«إذاً أنا أقف في الغرفة الخطأ».
نظر إليّ عبر امتداد الممر. أريد أن أكون دقيقةً في هذا؛ لأنهم بعد ذلك اعتبروا قولي رفضاً، ولم يكن كذلك، بل كان محض حسابٍ دقيق. فالشاهد الذي يُؤتى به إلى الغرفة قبل تلاوة الصكّ، إنما يُؤتى به كقطعة أثاث.
«ارجعي»، قال. «اقرئيه قبل أن تقرري ما أنا عليه».
فرجعتُ.
لم يتحرك في المجلس شيء. جلس كبير القوم في صدر المجلس والورقة أمامه، وقد أدار خاتمه إلى الداخل فصار فصّه في باطن كفه، كما يجلس الرجال حين يريدون إيهامك بأن الجزء الأصعب قد ولّى. أربع صفحات؛ عرفتُ أنها أربع لأني رأيتُ إبهامه يعدّها مرتين.
خلعتُ حذائي عند طرف السجاد، وجلستُ في أقرب موضعٍ إلى الباب، وهو مقعد من لم يوافق بعد على البقاء.
«يا أستاذ»، قلتُ، «اقرأها عليّ ثانيةً، بالترتيب الذي كُتبت به».
لم يُعجبه الترتيب الذي كُتبت به. كانت تلك أول حقيقةٍ تعلّمتها في تلك الغرفة، وتعلّمتها من حركة إبهامه.
حدّد البند الأول مواعيد الاجتماع. ودوّن البند الثاني من دُعِي إليه، وفي النَّفَس ذاته، من لم يُدعَ؛ وكان المستبعَد اسماً واحداً خُطَّ بلا أي تعليق، كما يُسجَّل في الدفتر دَينٌ حُكم عليه بالشطب والنسيان.
أمّا البند الثالث، فأسقط حق الطلب.
قرأته بنفسي مرتين. ثم وضعتُ الكوب على الصحن وهززتُ الفنجان مرةً واحدة، فتوقفت الدلّة من ورائي عن الصبّ. تراجع حامل الدلّة إلى الوراء. إن هزّ الفنجان أمرٌ يسير، لكنه في تلك الغرفة كان أعلى صوتٍ تردد طوال ساعة.
«قوليها بصريح العبارة»، قال كبيرهم. «أنتِ الشاهدة، فقولي ما هو عليه».
«سأقول ما تُلِي»، قلتُ. «لا ما قضيتم به أثناء تلاوته».
أصدر رجلٌ بجانب الصدر همهمةً خافتة في صدره ثم كتمها. لم يلتفت إليه أحد. كان السجاد فخماً، والضوء وادعاً، والعود قد جُدّد لما بعد الظهر وسيُجدَّد مرة أخرى قبل ضيوف المساء. كل شيء في تلك الغرفة أُعِدّ بعناية ليجعل جملةً واحدة تبدو عين العقل.
«اسم عائلتكم في هامشنا»، قال كبيرهم، «ثلاث مرات. ونطلب منكِ أن تجعليه رابعاً».
«اسم عائلتي في هامشكم لأننا نقرأ قبل أن نوقّع». أدرتُ الصفحة الرابعة نحوه. «فاقرأ لي هذه إذن: توقيع من يحلّ محلّ توقيعه؟»
كفّ إبهامه عن العدّ.
عجيبٌ هو الغضب في غرفةٍ كهذه؛ فأنت لا ترفع صوتك لأن المكان بُنِي ليبتلعه، ولا تقف لأن الوقوف للخدم والأبناء. تجلس فحسب، وتطرح سؤالاً في وسط السجاد، ثم تنتظر لترى من يقلّ أدبه ليتخطاه.
تخطاه اثنان منهم، بينما نظر الثالث نحو الباب.
ولم يكن الباب خالياً.
كان قد أقبل عبر الممر حافياً وبلا جلبة؛ ثوب أبيض بياقةٍ منشّاة، دون بشت، ويداه مسترخيتان إلى جانبيه والسبحة ما زالت ملتفة حول أصابع يمينه. لم يتقدّم نحو الصدر، بل وقف عند حافة السجاد حيث يبدأ البلاط، متسمراً هناك كأن الأرض سُعِيَ بها إليه ولم يقرر بعدُ إن كان يقبلها.
لم يقدّم له أحدٌ فنجان قهوة. وذلك، أكثر من البند الثالث، كشف لي ما أجمع عليه أهل المجلس.
«اقرئي البند الثالث بصوتٍ مسموع»، قال بهدوء، موجهاً حديثه لي لا لكبيرهم.
قرأته. وكان صوتي ثابتاً غير رفيق.
«والآن اقرئي التاريخ»، قال.
قرأتُ التاريخ.
«وأسماء المدعوين».
قرأتها. وحين بلغتُ الاسم الوحيد الذي لم يُدعَ، أدرك المجلس حقيقة نفسه، وتجلّى ذلك الإدراك في هيئة رجالٍ يحدّقون مليّاً في فناجينهم.
قال: «اسمي مكتوب في الورقة مرتين؛ مرةً لشطبه، ومرةً للإقرار بأنه شُطب على الأصول. وأنا راضٍ بأن يُشطب، لكني لستُ راضياً بأن يُشطب في مجلسٍ لم أُدعَ إليه، وعلى يد رجالٍ احتاجوا إلى شاهد من خارج العوائل ليُطهّروا صنيعهم.»
قال كبيرهم: «العوائل قررت.»
«إذن، فلتقرر العوائل من جديد في يومٍ أُسأل فيه.»
«لم يعد لك أن تسأل.»
قال: «صحيح، بل أُبلَّغ.» وقلب كفه، فانحدرت حبات المسبحة إلى راحته واستقرت هناك. «إن شاء الله.»
قالها ببرود، فأدرك كل رجلٍ في ذلك المجلس أن الأمر قد حُسم، وأنه حُسم لغير صالحهم.
التفت كبيرهم نحوي، لأنني كنتُ الوحيدة في المجلس التي لم يُدوَّن اسمها على شيء بعد.
قال لي: «اشهدي على هذا: الانعقاد، والقراءة. لا شيء سواهما.»
وافقتُه: «لا شيء سواهما.»
تناولتُ القلم. كتبتُ اسمي في الهامش حيث أشار لي، وتحته، بخطٍ صغير في المساحة التي تُترك دوماً ليد امرأة، كتبتُ الأمرين اللذين رأيتهما بالفعل: تم الانعقاد، وجرت القراءة.
دون كلمة واحدة عن الرجل.
راقبني وأنا أكتب. ثم تراجع خطوةً عن السجادة نحو الممر، وقال كلمة واحدة للمجلس:
«خلاص.»
انفضّ المجلس. قام الرجال، وبحثوا عن أحذيتهم، وتبادلوا ما يقوله الرجال عادةً عند الباب. وجاء عمي ليأخذني ولم يسألني عما كتبتُ، وكان ذلك بحد ذاته ضرباً من الجواب.
عدّلتُ شيلتي وخرجتُ عابرةً الصالة، متجاوزةً الدلّة والجمر الصغير تحتها والتمر الذي لم يمسّه أحد، ولم ألتفت خلفي نحو الممر.
كانت حبات المسبحة ما تزال تتحرك؛ كنتُ أسمع طقطقتها الخافتة، حبّةً تلو الأخرى، طوال طريقي حتى الباب الخارجي.