Chapter 2 · تسطير الصفحة
افتُتح المجلس في صباح اليوم التالي قبل أن تدور القهوة مرتين، ولم يتظاهر أحد في تلك الغرفة بأنها زيارة مجاملة.
دخلتُ خلف عمّي، وتركتُ حذائي عند طرف السجادة، ومضيتُ إلى الدكة المنخفضة قرب طاولة الكتابة حيث يُحفظ السجل. كان الدَّرج مفتوحاً، وقد اختفى السجل منه.
كان السجل في حوزة عمّ طلال. جاء مبكراً وأخرجه بنفسه — بيديه، دون استعانة بخادم — ووقف في صدر المجلس ضامّاً إياه إلى صدره، على نحو ما يحمل المرء شيئاً يتعمّد أن يُرى وهو يحمله. مرت به المبخرة، فلم يكلّف نفسه عناء ردّ الدخان إلى ثوبه.
لم يجلس أحد حتى جلس هو. تصدّر المجلس، وبسط السجل أمامه، ثم أداره بحيث باتت الصفحة في مواجهة الحاضرين. دار صبيٌّ بالدلة، فهزّ العمّ فنجانه مرة واحدة، فتوقف الصبّ.
«إحدى عشرة»، قالها.
ثم طفق يقلّب الصفحات على مهل بإصبع غليظة. كانت كل صفحة ثانية أو ثالثة مشطوبة بخطٍ يمر فوق الكتابة، وكان الشطب بحبر مختلف ويد أخرى، خُطّ بعزم كاد يحزّ الورق. خمس صفحات. سبع. تسع. قلبها بحيث يتمكّن أقرب الجالسين إليه من القراءة، وانتظر ريثما قرؤوا، ثم عاد يقلّب.
قال: «إحدى عشرة ذمّة حملت هذا الاسم. سِتٌّ منها انتهت، وجفّ حبرها. والخمس الباقية تجلس في هذه الغرفة».
لم يجبه أحد. تنحنح رجلٌ مستند إلى الجدار البعيد، ثم فضّل السكوت.
قال العمّ، بنبرة باردة كبابٍ موصد: «تقول القاعة منذ الربيع إنه انتهى. ولستُ أسأل القاعة، بل أسأل الخمسة. والذمّة أمرٌ يسير؛ كلمة عند حافة الصفحة وتاريخ. انطقوا بالكلمة وتبرأ الصفحة، ولا يعود أحد في الرياض مضطراً لأن يحسب أين يجلس».
أدار عينيه في المجلس كما تمرّ يدٌ بطيئة فوق طاولة.
قال الرجل الأول: «عهدنا كان مع البيت يا أستاذ، لا معه وحده».
ردّ العمّ: «إذن يكتبها البيت مرتين؛ مرةً لأجله، ومرةً للعِبرة».
نطق الرجل الأول بالكلمة. ونطقها الثاني قبل أن يُسأل، وكان مشهده أشد إيلاماً. وطلب الثالث مهلةً إلى انقضاء الموسم، فقال العمّ: «خذ الموسم، فالصفحة لا تبرح مكانها»، فرجع الرجل إلى مجلسه كمن أُعطي شيئاً فلم يدرِ أين يضعه.
وكان الخثلان رابعهم.
لم يقف عمّي، بل أمسك فنجانه على علوّ إصبعين من الصحن وقال: «ذمّة الخثلان مع المجلس. وحين ينعقد المجلس، سيُسمَع صوت البيت مرة واحدة، ومرة واحدة تكفي».
قال العمّ: «ينعقد المجلس حين تجهز الورقة، لا قبل ذلك. لقد حفظت عائلتكم السجل زمناً طويلاً، وأنت أدرى أيّهما يسبق الآخر».
ثم التفت، بغير عجلة، ونظر إليّ.
قال: «القلم بيدكِ».
التفت المجلس بأسره معه. جلستُ في ذلك المجلس منذ كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، ولم يحدث قط أن اتجهت إليّ الأنظار كلها في لحظة واحدة. وما شعرتُ به لم يكن خوفاً، بل برودة مميزة لا يحسّها المرء إلا حين يُؤخذ في الحسبان.
قلتُ: «يد الخثلان على السجل».
قال: «صحيح، ولهذا ستكون يدكِ أنتِ».
دفع السجل عبر الطاولة بوصة إثر بوصة، ووضع قلماً بمحاذاته تماماً، ثم أسند ظهره وشبّك أصابعه.
كانت الصفحة التي فُتح عندها هي صفحة الأمس. استطعت رؤية خطّ يدي على الهامش، دقيقاً، في الموضع المتروك دائماً ليد امرأة: عُقد الاجتماع، وتمّت القراءة.
تناولتُ القلم. لم أنظر إلى عمّي، لأني لو نظرتُ إليه لكتبتُ شيئاً آخر، وكان اسمه هو الذي سيدخل السجل لا اسمي.
سوّيتُ السجل أمامي وكتبتُ. كتبتُ اليوم، والساعة، وعدد الصفحات المعروضة، وأن القيود عُرضت مشطوبة بحبر ثانٍ. وكتبتُ أن الطلب طُرح في المجلس، وممّن طُرح، وعلى كم بيتاً عُرض، وسمّيتُ الثلاثة الذين بذلوا كلمتهم قبل أن تدور المائدة.
لم أكتب الكلمة التي أرادها؛ فلم أرَ الرجل ينتهي، بل رأيت مجلساً يُبلَّغ بأمره.
قرأها مقلوبة، كما يقرأ أشباهه كل شيء.
قال: «كتبتِ ما حدث».
قلتُ: «لهذا وُجد السجل».
«إذن ستكتبين الباقي في بيتي». أطبق السجل بيد واحدة، وكان لصوت إطباقه دويٌّ هو الأعلى طوال الصباح. «الكتاب يذهب معي الليلة، والدكة ستلزم لأمور أخرى».
كان ذلك كل ما في الأمر. لا صوت ارتفع، ولا يد رُفعت. مقعدٌ ودَرجٌ، والامتياز اليومي الضئيل بأن تكون أنت من يأتمنه البيت على ذاكرته.
غطّيتُ القلم ووضعته في جانبه من الطاولة، لا جانبي.
قلتُ: «سأحضر قلمي معي إلى بيتك يا أستاذ؛ فهو يكتب بالطريقة نفسها».
نظر إليّ مليّاً، وتركته ينظر.
قال: «إن شاء الله»، بالنبرة التي يخصّ بها ما حُسم أمره وانقضى.
وقفتُ. تحفّز الحاضرون للنهوض نصف قومة، على نحو ما يفعل المجلس حين لا يتيقّن إن كان يُؤذَن له بالانصراف، ومشيتُ على طول السجادة بعباءتي، وشيلتي مستوية، وحذائي في يدي. لم يستوقفني أحد، ولم ينبس أحد بكلمة حتى بلغتُ الباب.
ومن خلفي عاد الصبي يصبّ، وقال رجل عند الجدار البعيد: «يعطيك العافية»، وأخذت الفناجين تدور.
وفي الممر، مجتازة الباب حيث ينحدر النور من النافذة العالية، سمعتُها: حبّات المسبحة. حبة تلو أخرى، وئيدة متمهلة، كما يعبث المرء بعدٍّ لا يعدّ به شيئاً على الإطلاق.
ولم يبدُ أن أحداً غيري في ذلك البيت كان يسمعها.