رجوع

مسألة الرجل المنتهي

0%

Chapter 3 · الفرع المغلق

مسألة الرجل المنتهي Chapter 3

وصل السجل قبل القهوة، وفي بيت أبي يُعد ذلك بحد ذاته خلافاً.

جاء ملفوفاً بقماش داكن، حمله من البوابة كاتبٌ من مكتب المجلس، كاتبٌ أبى أن يجلس وأبى أن يضع حقيبته على السجاد. أمر والدي بوضعه على الطاولة المنخفضة وتركه هناك، ثم طلب الدلّة. فهو لا يفضّ أوراق رجلٍ وآخرُ قائمٌ أمامه. أدرك الكاتب مغزى هذا الأدب على حقيقته، ومع ذلك ظل واقفاً.

دارت القهوة من الدلّة الفضية، مصبوبةً من علوّ في فناجيل لم تبلغ نصفها. تناولتُ فنجالي بيميني ووضعته وبجانب حافته تمرة، ولم أشرب. أما الكاتب فاحتسى فنجاله بجرعة واحدة، بعجلة زائدة، على نحو ما يشرب رجلٌ قيل له أن ينتظر فقرر ألا يفعل.

ثم قال والدي لصبيّ القهوة: «يعطيك العافية». أما الكاتب فلم يقل له شيئاً قط. أغلق المدير أبواب المجلس، واستحالت الغرفة مكاناً يمكن قراءة الورق فيه.

رُفع القماش. أربع صفحات مسطّرة، بخطّ يدٍ دُرِّب ألا يُقرأ، ونال أجره ليكون واضحاً.

نصّت الصفحة الأولى على أن مسألة فرع طلال الزهراني قد أُغلقت أمام أي مراجعة. وقالت إن المجلس قد استمع، والمجلس قد قضى، ولن يُقبل أي ورق من ذلك البيت بعد الآن. وقالت إن الحكم نافذ مهما قدّم ذلك الفرع، إذ إن فرعاً أُجيب مرةً لا يحق له أن يراجع مرتين. قرأتها بالطريقة التي أقرأ بها كل ما يدخل تلك الغرفة؛ بتأنٍّ، وبغير ترتيب، ومرتين.

وكانت الصفحة الثانية هي القائمة؛ أربعة بيوت ذات شأن، وما زال في يد ذلك الفرع من حقوق لكلٍّ منها. وكان بيتنا ثالثها لا ثانيها، وانتبهتُ إلى هذا التصحيح كما أنتبه إلى تاريخ خاطئ في صكّ؛ ليس لأنه يُغيّر المبلغ، بل لأنه يعني أن من كتبه كان يكتب من ذاكرته.

عقدان وكفالة واحدة. ثمانمائة ألف في الكفالة، لم تُسحب، مشرعةً كبابٍ لم يكلّف أحدٌ نفسه عناء إغلاقه.

قرأ والدي الصفحة الثالثة. ثم دفع بالأمر برمّته عبر الطاولة نحوي، فلستّ سنوات وأنا أقرأ ما يوقّعه قبل أن يوقّعه، ولأن الرجل الذي يوشك أن يقدم على أمرٍ يكرهه، يُفضّل شاهداً من أهل بيته على غريبٍ يُستقدم من الخارج.

قال: «اقرئي العمود.»

قرأتُ العمود. كانت الأرقام صحيحة. وذلك أول ما أقلقني، ولبثتُ مع الأمر لحظةً قبل أن أدرك السبب.

وكانت الصفحة الرابعة مسطّرةً لكتابة الأسباب، وخالية.

قلتُ: «ما فيه شيء يا يبه.»

«ما فيه شيء لأن السبب مكتوب في مكانه. في المجلس.»

«إذن فالخطاب الذي سنرسله سيقول ما قاله المجلس، ولا شيء فيه يمكن أن يُمسك على أحد.»

نظر إليّ والدي كما ينظر إلى عقدٍ صاغه شخص ذكيّ لكنه مهمل: «نحن لا نرسل خطاباً ليُمسك علينا. نحن نرسل خطاباً يقطع صلة. والقطع هو الغاية كلها.»

«خطابٌ بلا سبب يمكن أن يُردّ.»

قال: «وحينها سيُردّ، إلى رجلٍ لم يَعُد يملك ما يردّه به.»

لم تكن في نبرته أيّة حرارة. لم يرفع والدي صوته قط في تلك الغرفة، ولم يرفعه الآن، وكان ذلك البرود أدهى من الصياح، لأنه كان قد حسم أمره بالفعل ولا ينتظر سوى أن نصل نحن إلى النتيجة نفسها.

التفتَ إلى المدير وأعطاه التعليمات مرتبةً، دون استعانة بملاحظات. خطابات إلى البيوت الثلاثة الأخرى قبل المساء، تُخطر بانسحابنا دون إبداء سبب. والمطالبة بتسييل الكفالة خطيّاً، مع إرفاق صورة من صفحة السجل. وألا يبقى لنا شيء قائم في يد ذلك الفرع بحلول نهاية الأسبوع؛ لا عقد، ولا تسهيل، ولا اسم في قائمة. ردّد المدير التعليمات على مسامعه من أولها، بأجزائها الأربعة، وتركه والدي حتى أتمّها قبل أن يهزّ رأسه موافقاً.

قال والدي: «إن شاء الله.» وأدرك من في المجلس أنه يحدّد موعداً لا مجرد رجاء.

وُضعت وثيقة الانسحاب أمامه. وقّع عند طرفها، في ذلك الحيّز الصغير الذي يتركونه في الهامش لرجلٍ لا يريد لاسمه أن يتوسط أمراً.

ثم دفع بها نحوي، فوقّعتُ تحت خانة الشاهد، وكتبتُ اسمي كاملاً، بكل أجزائه، على النحو الذي يُكتب به الاسم حين يُراد له أن يقرأه من يفضّلون لو كان أقصر.

قلتُ: «سأحتاج السجل حتى المساء يا يبه. الكفالة ملحق بها جدول، والجدول لم يُنسخ.»

تأمّل الأمر. فما هو بالرجل الذي يدفع أوراقه لأحد، ولا هو بالرجل الذي يردّ طلباً وراءه حجة، وكان لطلبي حجته، وقد رآها جليةً كاملة. فأومأ برأسه إيماءة واحدة.

طافت المبخرة مع انفضاض المجلس، يفوح منها عَبَق العود كثيفاً. قرّبتُها مني وحثثتُ الدخان بكفي إلى أطراف عبايتي، وظل الدفء عالقاً في القماش حين خرجتُ.

في غرفتي نسختُ الجدول، والصفحات الأربع، والأرقام، والموضع الخاطئ الذي حُشر فيه اسمنا في القائمة. استغرق ذلك جلّ ساعة وخطّ يدي ليس بجودة خط الكاتب، وحين فرغتُ وضعتُ النسخة حيث ينبغي أن توضع، في الملف الذي سيقرؤه والدي قبل أن يوقّع.

أما الصفحة الأخيرة فلم أنسخها. بل وضعتُ الأصل في الدُّرج الذي لا يفتحه أحد غيري في ذلك البيت؛ أربعة أسطر مسطّرة لم يُكتب عليها شيء.

صفحةٌ بلا سبب لا تُعدّ بيّنةً على شيء. ومع ذلك، احتفظتُ بها.