Chapter 2 · يدا ساقٍ جديد
في الساتر ثلاثمائة وإحدى عشرة فتحة، وقد عددتُها أكثر من مرة؛ فامرأةٌ تكسب عيشها من المراقبة حريٌّ بها أن تعرف الأداة التي تراقب من خلالها. إحدى وثلاثون بالعرض، وعشرٌ بالطول، وواحدةٌ في الزاوية السفلية اليمنى وسّعها النجّار بمقدار نصف إصبع عن البقية. من خلال تلك الفتحة أرى الجدار الشرقي بأكمله، ومن خلال البقية أرى المجلس شرائح، وقد تعلّمتُ أن أعيد بناء الغرفة من تلك الشرائح كما تصنع نساءٌ أخريات طبقاً مما تبقّى في المطبخ.
الليلة يمتلئ المجلس حسب المقامات كما هي العادة دائماً، وتلك المقامات لم تُكتب في أي مكان، ولهذا السبب تحديداً يستطيع كل من فيه قراءتها.
يدخل المضيف أولاً، لأن المضيف يأتي أولاً دائماً. رجلٌ ضئيل البنية متمهل، له كنية يناديه بها الرجال، واسم تناديه به الخادمات، ويحمل الدلّة كأنها طائر نائم حمله ألف مرة. يضعها على الطاولة المنخفضة عن يسار الصدر، ويختبر حرارتها بظهر معصمه، ثم يتنحى جانباً. وحينها فقط يدخل المباشرون، ثلاثة منهم، وأحدهم وجه جديد.
عرفتُ أنه جديد من يديه؛ فالمباشر الذي مارس هذا لسنوات يحمل الصينية في مستوى منخفض ويترك الفناجيل مستقرةً في أماكنها، ولا يبدر من وجهه أي تعبير على الإطلاق. أما هذا فيرفع الصينية عالياً ويتفقدها بعينيه، بينما يظل إبهامه يلامس حافة أقرب فنجان، كأنه يستعين باللمس ليعدّها.
الفنجان الأول يذهب إلى الصدر. يذهب دائماً إلى الصدر، والصدر رجلٌ مسنّ يرتدي خاتماً ثقيلاً، ويتناول الفنجان بيمينه بينما تبقى يساره على ركبته، مع أنني لم أره يشرب ولو لمرة واحدة. يمسك به فحسب؛ يمسك به بالطريقة التي يمسك بها الشيوخ شيئاً قرروا أن يبقوه دافئاً لأجل أحد.
الفنجان الثاني يذهب إلى العم، والثالث إلى ابن العم، وسأعود للحديث عن ابن العم؛ فهو السبب في أن لدي ثلاثمائة وإحدى عشرة فتحة أسترق النظر منها، ولا شيء آخر أفعله بأمسياتي.
يميل المباشر الجديد الدلّة من علوٍ زائد ويصب بسرعة مفرطة، فيمتلئ الفنجان لأكثر من نصفه. أرى ذقن المضيف يتحرك بمقدار ربع بوصة، وأرى حاجب الصدر يرتفع ثم يهبط. لا يرى المباشر الجديد أياً من الأمرين، لكنه يلحظ شيئاً في الهواء، إذ تتغير حركة كتفيه، ومن تلك اللحظة فصاعداً يصبّ من علوٍ أخفض وبتؤدة أكبر، ولا يوجه إليه أحدٌ كلمةً واحدة طوال الليل. هكذا يلقّن هذا المجلس دروسه؛ لا شيء يُكتب، ولا شيء يُنطق، ومع ذلك يتعلم المرء كيف يصبّ.
تدور الفناجيل عكس اتجاه عقارب الساعة، وهو ليس اتجاهاً لأي شيء أعرفه، بل هو الاتجاه الذي استقر عليه هذا المجلس قبل أن أُولَد. كل رجل يتناول بيمينه، ويحتفظ بالفنجان حتى الدورة الثانية، وعندها يهزه مرة واحدة بخفة، أو يقول: «بس»، فينحني المباشر ليستعيده. أما الرجل الذي يريد المزيد فلا يطلب، بل يميل الفنجان الفارغ للأمام ويمده، فيحدث الانحناء ويُسكب له. راقبتُ الرجال طوال أحد عشر شهراً، ولم أسمع أحداً منهم قط يقول: قهوة زيادة.
ثمة تمرٌ بجانب كل فنجان. تمر مجدول داكن وطري، ثلاث تمرات في كل صحن، ويعود معظمها كما أتى، لأن تقديم التمر مجاملة وإكرام لا لسدّ جوع.
يأتي البخور بعد الدورة الثانية؛ يحمل المبخرةَ أصغرُ المباشرين الثلاثة ويقصد بها الصدرَ أولاً، فيجمع الشيخ الدخانَ إلى صدره بيد واحدة على مهل، وتتسلل الرائحة إلى أرجاء الغرفة وتستقر فيها مثل ضيف لا يفهم الإشارة. عودٌ، ومن تحته شيءٌ أكثر حلاوة لم أستطع تسميته قط وقررتُ ألا أبحث عنه؛ فالشيء الذي أبحث عن معناه أكفّ عن رؤيته.
أما الأحذية فقد خُلعت سلفاً عند طرف السجاد. كل رجل عبر العتبة خلع حذاءه وتركه في الصف نفسه، موجهاً مقدمته للخارج، ولم يوجّه أحدٌ منهم باطن قدمه نحو رجل آخر طوال الأمسية. لم تكن هذه قاعدة أعلنها أحد، بل هو مجرد ما يحدث في بيت قد يُطلب فيه من المرء أن يتذكر مَن كان يجلس إلى جواره.
والآن نأتي إلى ابن العم.
في الأربعين من عمره لكنه يرتدي هندام ابن الثلاثين، ويصل كل ليلة في الدقيقة ذاتها، ما يخبرني بأنه يسكن قريباً ولا يخبرني بأي شيء آخر. يتحدث عن المال دون أن يذكر أرقاماً. ويضحك قبل اكتمال النكتة بنصف ثانية، ليضحك الرجال من حوله معه لا عليه، وتفلح حيلته، وظلت تفلح طوال المدة التي قضيتُها هنا في الأعلى. أطلقتُ عليه لقب «ابن العم» في أسبوعي الثاني لأنه استخدم الكلمة في وصف رجل لم يكن ابن عمه، فبدت الكلمة أليق به هو منها بالرجل.
وفي منتصف الدورة الثالثة، يميل ابن العم نحو الصدر وينطق اسماً في الفراغ الفاصل بينهما. لا أسمعه، بل أسمع نبرته؛ مقطعان واسم عائلة، وأرى يد الصدر تنقبض على فنجانه، وأرى المضيف، في أقصى الطرف الآخر من المجلس، يتجمد في مكانه.
ثم ينتهي كل شيء. يعود ابن العم إلى جلسته مستنداً إلى الخلف. يسأل أحدهم عن حرارة الجو. وتدور الفناجيل من جديد.
لكن الزاوية الشرقية تظل كما هي منذ أحد عشر شهراً، وهذا هو الأمر الذي عجزتُ دوماً عن تدوينه في الدفتر وإغلاقه.
ثمة موضع في الركن الشرقي لا يجلس فيه أحد. ليس مقعداً يُتنازع عليه فيُخسر؛ بل موضع تواطأ المجلس في صمتٍ على تركه خاوياً. والليلة يقصده المضيف بنفسه كما يفعل كل ليلة، فيصبّ فنجاناً ويضعه، ويجعل إلى جانبه ثلاث تمرات، ثم يستقيم ويمضي كأنه لم يصنع شيئاً قط. لا أحد ينظر إليه، ولا أحد تمتد يده نحوه. وفي آخر الليل، حين ينفضّ المجلس بحسب المقامات لا بحسب عقارب الساعة، العمّ قبل ابن العم، وابن العم قبل رجالٍ لم يبقَ لهم ما يمكثون لأجله، يخرج ذلك الفنجان على الصينية ملآن، وتخرج التمرات معه، ويمرّ بهما المضيف من تحتي دون أن يرفع طرفه نحو الساتر.
أحد عشر شهراً، لم يُرتشف منه قط.
أدوّن ذلك في الدفتر الذي أحفظه، وهو كتيّب صغير تشقّق كعبه، وأدوّن ترتيب الفناجين والاسم الذي لم أسمعه، وتلك الحركة الطفيفة التي لا تتعدى قيد أنملة من ذقن المضيف، وحقيقة أن الصباب الجديد تعلّم أصول الصبّ في ليلة واحدة دون أن يُعلّمه أحد. ثم أطبقه وأضعه في موضعه المعتاد، وهو ليس بمخبأ، فالشيء المخبأ يُعثر عليه؛ بل هو موضع لا يلفت بالاً ولا يخطر على بال. لقد لزمتُ الحذر طوال أحد عشر شهراً، وهذا الحذر هو ما أبقاني في رواقٍ يُشرف على كل شيء.
تحتي يخرج آخرهم. ويبقى عبق العود وريحة القهوة عالقين في الهواء ردحاً بعد ذلك، ويطوي المضيف القماش فوق الدلة وتُخفَت المصابيح واحداً تلو الآخر، ويبقى الركن الشرقي غارقاً في العتمة لا أنيس فيه.
لم يقع أي مكروه. أقولها لنفسي كما اعتدتُ أن أقولها كل ليلة، والليلة انتبهتُ إلى أنني أقولها قبل أن أفرغ من عدّ فتحات المشبّك، ولم تكن تلك عادتي حين أقولها.
تمسك المرأة بالفنجان المشعور بحذر، لا لثقله، بل بحذرٍ لأنها بدأت تتساءل في أي ليلةٍ سيبلغ الصدعُ مداه من شدة الحرارة.