رجوع

امرأة الرواق

0%

Chapter 3 · سبعة دفاتر حمراء

امرأة الرواق Chapter 3

تصعد الدفاتر قبل أن تصعد القهوة.

ليست درجتي أنا، بل دَرَج البيت؛ الدَّرَج الرئيس ذو الدربزين الأعرض من أن تقبض عليه كفّ، ثم بمحاذاة الردهة السفلية حيث يُشرع المجلس أبوابه عند العاشرة ولا يعود يغلقها حتى تُخفَت المصابيح واحدًا تلو الآخر. أراقب من علٍ، من خلف الساتر وعباءتي عليّ، فالرواق ليس غرفة، وامرأة الرواق لا تكون قط داخل بيتها تمامًا.

سبعة دفاتر؛ جلد أحمر قَانٍ بزوايا نحاسية، محمولة اثنين فاثنين ثم واحدًا، ما يعني أن الوكيل عدّها ثلاث مرات قبل أن يُخرجها من الموضع الذي ترقد فيه الدفاتر.

أعلم أنه عدّها ثلاث مرات؛ فقد راقبته وهو يعدّ الأشياء طوال 11 شهرًا. يعدّ الفناجيل قبل الضيوف، والضيوف قبل أن ينطق، وإن اختلف العددان لا ينطق البتة حتى يتطابقا.

يضعها على الطاولة المتوسطة بمحاذاة الحافة تمامًا، ثم يتراجع خطوة. الدلّة هناك بالفعل، وبجانبها التمر في صحفته، أما الدفتر السابع فيضعه في الطرف البعيد حيث يسقط ضوء النافذة العالية، وذلك ليس بموضع يضع فيه المرء شيئًا ينوي نسيانه.

يمتلئ المجلس على عادته دائمًا. يأخذ الشيخ ذو الركبة العليلة المقعد الأقرب إلى الباب ويتظاهر بأنه هو من اختاره. والاثنان المتباغضان يجلسان وبينهما مقعد شاغر يتحدثان عبره طوال ساعة. ويبقى الصدر خاليًا إلى أن يكفّ عن كونه خاليًا.

أُخرج دفتري الصغير. إنه بحجم كفي ومجلّد بقماش بلون الرمل المبتل، ومقامه في كمّي حيث تنثني العباءة، ولم يسبق لي قط أن أخرجته في الأسفل.

«فهد»، هذا ما كتبته في الأسبوع الأول لتمييز الوكيل، لأن له وجهًا قادرًا على احتواء صمت المجلس وإعادته كما هو دون أدنى تغيير. و«ناصر» للذي يحمل. و«صبر» لذاك الذي لا يتكلم أبدًا ويكون دائمًا آخر من يغادر. الاسم مقبض؛ فأنت لا تستطيع أن تضع شيئًا على رفّ ما لم تقرر ما تسمّيه به، وأنا قررت، منذ 11 شهرًا، أن أضع هذا البيت على رفّ.

أكتبها مجددًا الآن، الأسماء ذاتها، بالترتيب عينه، لأن الترتيب هو بيت القصيد. فهد، الذي يعدّ. ناصر، الذي لا يعدّ. صبر، الذي يراقب الباب لا الطاولة.

ثم تُفتح الدفاتر.

سبعة رجال، وسبعة دفاتر، ولا أحد يقرأ. يقلبون الصفحات على النحو الذي يقلب به الرجال الصفحات حين تكون الصفحة أمرًا يعرفونه بالفعل؛ يضع أحدهم إبهامه على سطر ويتركه هناك، ويغلق آخر دفتره باسطًا كفه فوق الغلاف، والمجلس يعيد ترتيب نفسه حول تلك الحركات الصغيرة ليصير شيئًا لا أملك له اسمًا.

أكتب: فهد لا يفتح شيئًا. يقف في مكانه. يحمل الدلّة عوضًا عن ذلك ويصب للرجل الواضع إبهامه على السطر، فيملأ الفنجال دون النصف، فيتناوله الرجل بيمينه ولا يشرب.

في الأسفل المجلس بارد، وهنا في الرواق دفء. تلك واحدة من أضاليل البيت القديمة، وقد كففت عن الاكتراث بها.

تُفتح الأبواب ثانية عند انتصاف الساعة. يدخل رجل متأخرًا، ولا يعدّه الوكيل، وهذا ما لم يحدث قط، وينهض الشيخ ذو الركبة العليلة، وهذا أيضًا ما لم يحدث قط. يأخذ الرجل المتأخر الدفتر السابع. لا يفتحه. يضع إصبعًا واحدة على الزاوية النحاسية ويديره ربع بوصة، كأنه يعدّل موضع قطعة أثاث، ثم يجلس على مقعد لم يدعه إليه أحد.

أملك اسمًا لكل تابع في هذا البيت، حملتُ أسماءهم طوال 11 شهرًا، ولم أخطئ قط في معرفة أي رجل سيتناول أي فنجال.

أنظر إلى السطر المخصص لاسمه في دفتري.

لا أملك اسمًا له؛ لا لأني أعجز عن معرفة ما أدعوه به، بل لأنه طوال 11 شهرًا لم يفعل أمرًا واحدًا يصلح لأن أسميه به.

أترك السطر فارغًا. ثم أجدني قد رسمت دائرة صغيرة في آخره، على النحو الذي يُعلّم به المرء موضعًا ينوي العودة إليه. فعلت يدي ذلك قبل أن يوافق عليه عقلي، وأجلس ساكنة تمامًا في الرواق الدافئ والقلم لا يزال بين أصابعي، مدركة أن شيئًا في هذا البيت قد تحرك للتو دون إذني.

في الأسفل، يصب الوكيل ثانية. يستقر الفنجال في يمين الرجل المتأخر ولا يبرحها، والرجل لا ينبس ببنت شفة، والمجلس يحبس أنفاسه كما يُمسك المرء فنجالًا فيه شَعْر؛ بحذر بالغ، لا لثقله.