رجوع

امرأة الرواق

0%

Chapter 5 · قبل أن يعلو الدخان

امرأة الرواق Chapter 5

تحلّ الساعة الثامنة والمجلس المقابل عبر الزقاق مضاءٌ بالفعل.

من طرف رواقي أستطيع رؤية معظمه: الغرفة الطويلة، والمراكي المسندة إلى الجدار، والطاولة النحاسية المنخفضة، والرجال بثيابهم البيضاء من حولها، ورجلٌ ببشتٍ فاتح لأنه ضيف وتلك أمسية رسمية. دفتري مفتوح على ركبتي وغطاء القلم منزوع، وقد جئتُ مبكراً، وتلك الميزة الوحيدة التي احتجتُ إليها يوماً.

المضيف هو الأكبر سنّاً. في دفتري ليس له اسم، بل صفة «الأكبر» فحسب، لأنني لم أجد قط ما هو أفضل منها، ولستُ ممن يطلقون على رجلٍ اسماً لا يستطيع الدفاع عنه.

يرفع المبخرة الفضية بنفسه. هذا أول ما يستحق التدوين. في تلك الغرفة ثلاثة خدم ولم يستعن بأيٍّ منهم؛ قبض بيمينه على المقبض النحاسي ورفعه بمحاذاة صدره، فتنفس الجمر في جوفها نفساً واحداً، وتصاعد العود.

ثم يمررها عبر الطاولة.

وتطرق العيون.

ظللتُ أراقب هذه الغرفة أحد عشر شهراً وظننتُ أنني أعرف هذا الجانب منها. كنتُ قد دوّنته بوصفه احتراماً للدخان، على نحو ما يغضّ المرء بصره حين يمرّ به ما هو أقدم منه. غير أن المبخرة ليست ما يستجيبون له؛ فأصغرهم الثلاثة يطرقون بأعينهم قبل أن يقطع الدخان عرض الطاولة، وقبل أن تفارق الفضة يد المضيف؛ بنصف نَفَسٍ لا أكثر، ونصف النَّفَس هو كل شيء. ليست استجابة، بل أمرٌ مزروع فيهم، دُرّبت عليه الأعناق كما يُدرّب الجواد على الوقوف.

الضيف ذو البشت يفعلها كما ينبغي. يحرّك الدخان بكفه نحو صدره مرتين، ويقول كلمتين بصوتٍ خافت يفوتني سماعه، فيقرّ المجلس بأنه قد كُرِّم ويمضي الأمر.

يتناول الجالس في أقصى الزاوية المبخرة بيمينه ويقول: «يا أستاذ»، ويمسك بها برهةً أطول مما ينبغي، فأدوّن ذلك أيضاً؛ لأن الرجل الذي يمسك المبخرة أطول مما ينبغي يقول للمجلس شيئاً ما، وأنا لم أحدد بعد ما هو.

الترتيب هو ما يثير اهتمامي.

أدوّن العيون وهي تطرق، واحدةً تلو الأخرى، وحين أعيد قراءة السلسلة أجدها ليست بترتيب الأعمار، ولا بترتيب المال. وليست بالترتيب الذي دخلوا به من الباب. إنه دفتر حسابات لم أرَ نصفه الآخر قط، وكل رجلٍ في تلك الغرفة يحسن قراءته دون أن يرفع عينيه.

أما ذاك الذي سميته الشتاء الماضي فلا يغضّ طرفه البتة. يراقب الجمر حتى تفارق الفضة يد المضيف، ثم يراقب الضيف، ثم لا ينظر إلى شيء، وذلك أغلى ما يمكن أن يفعله رجل في غرفة كهذه.

أضع علامةً بجوار اسمه. فالرجل الذي لا يغضّ طرفه إما أن يكون رفيع القدر جداً أو أصغر سناً من أن يبالي، ولم تنبئني الشهور الأحد عشر بأيهما هو، وأنا لا أحب علامةً لا أستطيع إغلاقها.

تحتي تدور القهوة. تهوي الدلة من العلو الذي تُصبّ منه، ولا ينال الفنجان إلا أقل من نصفه، وتتلو الدلةَ ثانيةٌ، وأنا أقارن صفحتي بما يجري. وصول التاجر، والاستقبال، والانصراف.

ما زال ثمة خطأ. في الثلاثة جميعاً، ببضع دقائق.

راجعتُ هذه الصفحة أربع مرات. أنا لا تفوتني الدقائق. لا يفوتني شيء؛ فذلك كنه ما أكون. ومع ذلك فالصباح مدوّن بخط يدي، وليس هو الصباح الذي وقع، ولا أستطيع أن أجد الموضع الذي كففتُ فيه عن تحري الدقة.

أعود إلى أول الدفتر حيث الأسماء، تلك التي أطلقتُها عليهم جميعاً، اسماً في كل سطر، بحسب ترتيب معرفتي بهم. لطالما تباهيتُ بهذه الأسماء؛ إنها أفضل من أصحابها.

ليست سوى تخمينات. ذلك كل ما كانت عليه دوماً. تخمينٌ لم أضطر يوماً لامتحانه، لأن أحداً في تلك الغرفة لم يعلم قط أنني أمتحنه.

أنزع غطاء القلم وأكتب أسفل السلسلة، بذلك الخط البسيط الذي أخصصه لأشياء لا قبل لي بمجادلتها بعد: تُطرق الأعين بترتيبٍ لا أعرفه.

يعيد المضيف المبخرة إلى موضعها. وما زال الجمر متقداً. يهدأ المجلس إلى مساره المعتاد، فأطبق الدفتر على الجملة وأبقي كفي مبسوطةً على الغلاف، كأنه قد يقوم ويهبط إلى هناك دوني.